لا يتم رفع الكفاءة أو تحقيق الإبداع في العمل، فضلاً عن امتلاك الاحتراف بمفرداته المتعددة، إلاّ بالتدريب الجيّد والإعداد السليم، فهما الركيزتان الأساسيتان لكل ذلك، سواء على المستوى الفردي، حيث إجادة التخصص والعمل، أو على مستوى الجماعة، حيث القدرة على تنفيذ الواجبات وإنجاز المهام.
وتتجلى هذه القاعدة في أزهى صورها، أوضح تطبيقاتها على الوحدات العسكرية، فلكي تصل هذه الوحدات إلى الكفاءة المنشودة والقدرات العالية، لابد لها من تدريب يقوم على تخطيط جيد من كافة الجوانب، وبخاصة في شموليته وارتباطه بالمهام المستقبلية لتلك الوحدات، فضلاً عن استناده إلى المفاهيم التي يحتويها المذهب العسكري المعتمد في القوات المسلحة، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى أن تتقن هذه الوحدات تنفيذ مهامها، وبخاصة في كيفية استخدام السلاح باعتباره عنصراً دائم التطوّر، بالغ التعقيد.
ولا شك في أن التدريب يضفي على القوات الجدّية والمعنويات العالية، والإتقان في تأدية الواجب، والإحساس بالمسؤولية في خدمة الوطن، ومن ثم تصبح هذه القوات مهما صغُر حجمها عنصراً مهماً من عناصر الردع الوطني الذي يحمي الوطن من أي عدوان.
ولا يمكن إضفاء صفات الجودة على التدريب ما لم ينشد الاستخدام الأمثل للأسلحة والمعدات، وإجراء التطبيقات العملية على طرق الاشتباك في مراحل القتال المختلفة، وإبداع الوسائل الكفيلة بإحباط تخطيط العدو فكراً وتسليحاً، فإذا ما كانت تلك هي غايات التدريب وأهدافه، أمكن عن طريقه رفع كفاءة القوات وتحقيق جاهزيتها، ووضعها في المكانة اللائقة.
ومن الثابت عسكرياً أن التدريب الميداني يهيئ الظروف المناسبة لرفع فعالية الوحدات، ويسهم في التغلُّب على الصعوبات التي تواجه منسوبيها، فضلاً عن أنه يرسِّخ لدى القادة القدرة على قيادة القوات في المواقف الصعبة، وينمّي فيهم المهارات اللازمة للأعمال الحربية، نظراً لأنهم أكثر الناس حرصاً على إنجاح مهام التدريب في ظل اعتماده معياراً لتقويمهم في السلم، فتقويمهم يقوم على مدى قدرتهم على قيادة قواتهم وتدريبهم التدريب السليم الذي يبث الثقة في نفوسهم، وخصوصاً المستجدين منهم، لما قد يصادفهم من حالات انعدام الثقة في التمشّي مع البيئة العسكرية.
وإذا كان تدريب الأفراد ضرورة تفرضها مقتضيات العمل، حيث إنهم يمثلون العمود الفقري للوحدات، فإن تنمية ملكات القادة وتدريبهم يكتسب أهمية خاصة في الظروف المعاصرة، نظراً لما فرضته معركة الأسلحة المشتركة الحديثة من تحديات على الأفراد والقادة في آن واحد.
إن قيادتنا (يحفظها الله) حريصة أشد الحرص على بناء القوات العسكرية بأفرعها المختلفة، وتنمية قدراتها حتى تكون قادرة على حماية المقدسات والمكتسبات وصيانة المنجزات، لذلك فإن الكليات العسكرية بحكم المهام المنوطة بها في تعليم وتدريب الطلاب العسكريين وتأهيلهم ليكونوا ضباطاً في أفرع هذه القوات مطالبة بضرورة بذل عناية خاصة في التدريب، باعتباره الميدان التطبيقي لما تلقّاه الطلاب في سنوات الدراسة من علوم ومعارف نظرية، تظل قيمتها محدودة الفعالية ما لم تتم ترجمتها إلى واقع عملي تستخلص منه الدروس والعبر، لتصحيح الأخطاء والإخفاقات والحيلولة دون وقوعها مستقبلاً، وينطبق الأمر ذاته على كافة الوحدات العسكرية، إذ إن تنفيذها للمناورات والتدريبات الميدانية يمثِّل أهمية قصوى من نواحي متعددة، لعل أبرزها تكوين التصوّرات الصحيحة عن معركة الأسلحة المشتركة الحديثة بتأثيراتها الشديدة والمتعددة على كافة الأصعدة والاتجاهات.
صفوة القول، إن تدريب العسكريين هو أداتهم في معرفة كافة أساليب العمليات القتالية وإدراك جوهر المعركة الحقيقي، ومن هنا تبدو أهميته القصوى وضرورته الملحّة