العميد : د. سعد بن ناصر المرشان رئيس التحرير
منذ بزوغ فجر الدولة السعودية بعد توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود (طيب الله ثراه) اتخذ قادتها منهجاً للحكم والسياسة يوازن بين متطلبات الشؤون الداخلية للوطن، ومقتضيات العلاقات الدولية المتطورة، ولا يحيد في الوقت نفسه عن الأسس والدعائم التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف، وخصوصاً فيما يتعلق بالتعاون من أجل خير البشرية جمعاء.
ففي قضايا الوطن، حفلت خطط التنمية المتتالية بكل ما يخدم تقدم البلاد وينهض بها، وبكل ما يحقق مصلحة المواطن في مختلف المجالات اقتصادياً واجتماعياً وصحياً وتعليمياً وثقافياً فكان هذا الاهتمام الشديد بمشروعات التنمية، إيماناً بأن الإنسان يجب أن يكون المحور الأساس، الذي تبذل من أجله كل الجهود والخدمات، وتنعقد عليه كافة الآمال والطموحات.
وكان تطوير الشؤون السياسية لمواكبة المستجدات في بؤرة اهتمام القادة منذ توحيد البلاد حتى الآن فشهد هذا المجال تحقق كثير من الجوانب، كان من أبرزها إصدار النظام الأساسي للحكم، وتفعيل مجلس الشورى وتوسيع نطاق المشاركة فيه من قِبَل أهل الخبرة والاختصاص؛ ثم تتابعت خطوات الإصلاح الإداري والسياسي بعد ذلك من خلال مجموعة من الإجراءات الجوهرية الهادفة لجمع أبناء الوطن حول رؤية مشتركة لكل ما يعترض المسيرة الوطنية من مستجدات، فحفلت السنوات الماضية بإصلاحات جوهرية على مختلف الأصعدة.
ثم جاء إنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، انطلاقاً من أن الحوار جزء من ثقافة المجتمع المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف، وسعياً إلى توفير البيئة الملائمة الداعية للحوار الوطني بين أفراد المجتمع وفئاته، بما يحقِّق المصلحة العامة، ويحافظ على الوحدة الوطنية المبنية على العقيدة الإسلامية، وذلك من خلال تكريس هذه الوحدة في إطار العقيدة وتعميقها عن طريق الحوار الفكري الهادف. وقد تعددت اللقاءات الحوارية بين النخب الثقافية في المجتمع، لمناقشة القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام داخل المملكة. وقد تعددت اللقاءات الحوارية التي ناقشت القضايا السياسية والاجتماعية متعددة الجوانب.
كما تم الإعلان عن قيام الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، بهدف العمل على حماية هذه الحقوق، وفقاً للنظام الأساسي للحكم، وما ورد في الإعلانات والمواثيق الخاصة الصادرة عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، بما لا يختلف مع الشريعة الإسلامية. ومنذ تأسيسها، باشرت الجمعية عملها، وهي تصدر تقريراً سنوياً في هذا الشأن، فضلاً عما تبذله من جهود في مجال تدعيم ثقافة احترام الإنسان.
وفي إطار توسيع المشاركة الشعبية، والتأكيد على استمرارية الدولة في طريق الإصلاح السياسي والإداري، ومراجعة الأنظمة والتعليمات، وإحكام الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية، والحرص على المراجعة الذاتية لكل الشؤون الداخلية، تم توسيع مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية، وذلك عبر تفعيل المجالس البلدية بانتخاب نصف أعضائها وفقاً لنظام البلديات، وهو ما شكَّل خطوة رائدة في مواكبة التطورات والمستجدات الداخلية والعالمية.
ومن منطلق الحرص الشديد على حماية أبناء هذا الوطن من الأعمال الإرهابية التي تهدد المجتمع في أمنه وقيمه ومبادئه، استطاعت السياسة السعودية الحكيمة حشد الاهتمام الدولي في مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب بالرياض، فكان ذلك خطوة من الخطوات الرائدة في التصدّي لظاهرة الإرهاب، وفي الوقت نفسه، كان المؤتمر رداً على كل وسائل الإعلام المشبوهة التي حاولت النيل من سياسة المملكة، فضلاً عن تحقيق وحدة الصف الدولي في مواجهة هذه الظاهرة، انطلاقاً من قيم التسامح والحوار، والتقارب بين الثقافات.
ولا يخطئ المراقب لمؤتمرات القمة العربية والخليجية والإسلامية في رصد رؤية المملكة السديدة فيما تتعرّض له المنطقة من أحداث وتحديات على كافة المستويات والأصعدة، فقد استحوذت القضية الفلسطينية باعتبارها لبّ الصراع العربي الإسرائيلي على مساحة واسعة من اهتمام قادة المملكة منذ عهد المؤسس (طيب الله ثراه)، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (يحفظه الله)، واستمرت المملكة في دعم الحق العربي، فكان مشروع الملك فهد للسلام في الشرق الأوسط من أبرز محطات الدعم السياسي للقضية الفلسطينية، فقد أعلن عنه في قمة فاس عام 1982م، ثم المبادرة الشهيرة التي تبنّتها القمة العربية في بيروت 2002م، نظراً لاستنادها إلى أن السلام الذي ينشده العرب يجب أن يكون مبنياً على الاستمرارية، والشمولية، والعدل، واحترام الحقوق، ومرتكزاً على توازن المصالح وليس على موازين القوى، ومستنداً إلى قواعد الحق والمشروعية الدولية لا إلى الأطماع الإقليمية، فكان لهذه المبادرة الفضل في تنبيه العالم إلى عدالة التوجُّه العربي، ومشروعية الحق الفلسطيني.
وتتابعت سياسة المملكة ومواقفها المشرفة، واهتماماتها الدؤوبة بالأمة جمعاء، من خلال الدعوة إلى التضامن الإسلامي المنبثق من العودة إلى نهج الإسلام الحق كما نزل صافياً طاهراً على نبي الهدى (صلى الله عليه وسلم)، إيماناً بأنه هو السبيل الوحيد إلى النصر واستعادة الحقوق المسلوبة، وانطلاقاً من أن الإسلام بمبادئه المثلى وقيمه العليا هو طريق التقدّم والرفعة والنهضة، ومن ثم يجب أن يعود إلى سابق عهده، خالياً من كل ما لحق به من شوائب أفرزت سلوكيات منحرفة، ورؤيً قاصرة؛ لذلك كانت أعمال القمة الاستثنائية التي عُقدت مؤخراً بمكة المكرمة قمة غير مسبوقة من حيث الأهداف والمضمون، فقد عالجت أمور الأمة الإسلامية وهمومها، وتدارست أحوال المسلمين وما يحيط بهم من مشكلات، وتَشَارَك قادة الأمة سوياً في البحث عن طريق للخروج من الأزمة التي تعيشها.
وعلى الصعيد الدولي، انطلقت سياسة المملكة من قناعة قادتها بأن جهودهم من أجل رفاهية شعبهم وسلم وطنهم لا تنعزل عن تيارات الجهود الدولية للتطوّر الإنساني واستتباب السلام العالمي، لذلك كانت المملكة ولا تزال من أشدّ المؤمنين بضرورة وأهمية تضافر وتآزر الجهود الدولية في هذا المضمار، والعمل الجاد الدؤوب من أجل إرساء أسس العلاقات السليمة التي تهدف إلى خير البشرية وانتشالها من آثار الجوع والجهل والمرض، وعلى ألاّ تتسلط دولة أو مجموعة دول على بقية دول العالم، بل تسود العلاقات الدولية مبادئ تكافؤ الفرص لجميع الأمم والشعوب.
وحيث لا يتسع المقام لرصد كافة جوانب هذه السياسة وركائزها القوية، ومنطلقاتها الإنسانية، فإنه يكفي المواطن فخراً بوطنه واعتزازاً بقادته، أن المملكة العربية السعودية بفضل من الله، ثم باختيار قادتها لهذا المنهج المتوازن في الحكم والسياسة أصبحت تحتل مكانة مرموقة بين دول العالم، تقديراً لها ولجهودها المحلية والإقليمية والدولية من أجل خير أبنائها، وخير الإنسانية جمعاء