بعد الزلزال العراقى تتدافع القوى الدولية لإحداث زلزال فى سورية، مما وضع النظام السوري في مأزق كبير عليه الخروج منه، حتى لا يتحقق الهدف منه، ولا تسير الأمور إلى المصير المظلم نفسه الذى يعيشه الشعب العراقى الشقيق منذ مشروع التحرير الوهمي والاحتلال الواقعي.
والزلزال السوري الذي تتدافع الأحداث لانفجاره بتقديم عدد من كبار المسؤولين للمحاكمة الدولية ، لاتهامهم فى اغتيال رفيق الحريري ستكون له آثار مدمرة ، ليس على منطقة الشام فقط، ولكن على المنطقة العربية ككل ، ولعل ما طالبت به واشنطن الأمم المتحدة أخيراً من فرض عقوبات على المسؤولين السودانيين لاتهامهم بتدهور الأوضاع في دارفور خير مثال على تتابع الزلازل فى المنطقة لإذابتنا جميعاً في الشرق الأوسط الكبير .
ويتناول هذا التقرير الاستهداف الأمريكي لسورية ، وانتقال فرنسا من موقع الصديق إلى الجانب الآخر، وتقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية وردود الفعل السورية، والقرار الدولي الصادر ضد سورية في هذا الشأن، وكيفية مواجهة أجواء الاحتقان .
التصعيد ضد سورية
في الوقت الذي اتخذت فيه سورية خطوات جديدة نحو الديمقراطية وإقرار مبدأ التعددية الحزبية، استمر التصعيد الأمريكي ضدها، فقد أعرب الرئيس الأمريكي عن قلقه الشديد للمعلومات التي تحدثت عن استمرار وجود عناصر استخبارات سورية عسكرية فى لبنان ، ووجه رسالة لسورية طالبها فيها بألاّ تسحب جنودها فقط، بل كذلك عناصر استخباراتها، ليكون لبنان حراً بحسب زعمه، مشيراً إلى أن هذه هي أيضاً رسالة الأمم المتحدة وباقي الأسرة الدولية. وقد أكد الموقف الأمريكي زعامات لبنانية أشارت إلى أن ضباط مخابرات سوريين يتجولون بحرية فى لبنان، محذرة من مواصلة المزيد من الاغتيالات السياسية بإيعاز من دمشق، وجاءت هذه التصريحات لتكتمل الحلقة على المستوى الدولي لتتزامن مع إعلان الأمين للأمم المتحدة (كوفي عنان) بعد ضغوط أمريكية وفرنسية بإيفاد فريق من الأمم المتحدة إلى لبنان للتحقق من هذه الأنباء التي أكدتها المصادر الأمريكية عن وجود قائمة
سورية لاغتيالات تستهدف زعماء لبنانيين، تم جمعها إثر اغتيال رئيس الوزراء السابق (رفيق الحريري)، إلى اغتيال الصحفي اللبناني المعارض لسورية ( سمير قصير ) .
لم يكن التحذير الأمريكى مفاجئاً، بل هو حلقة من مسلسل الاتهامات والادعاءات الأمريكية ، رغم أن الواقع يؤكد أن سورية قد نفذت البند الأول من القرار (1559) والخاص بانسحاب قواتها من لبنان تطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية، إلا أن ذلك لا ولن يمنع بقاءها ضمن دائرة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة شراسة الحملة التي تقودها الإدارة الأمريكية باعتبار سورية من وجهة النظر الأمريكية عقبة رئيسة فى طريق مخطط الهيمنة على الشرق الأوسط، وعائقاً أمام استكمال الاستراتيجية الأمريكية وإعادة رسم خريطته بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وليس خافيا أن سورية قد قدمت مساهمات كبيرة تصب فى مصلحة السياسة الأمريكية، بدءاً من مشاركتها فى حرب الكويت عام 1991م، مروراً بالتسهيلات التي قدمتها دمشق في الحملة الدولية التي قادتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب ، وأخيراً موقفها من القرار الدولي (1441) المتعلق بالعراق . إلا أن تلك المواقف والمساعدات السورية لم تجدِ نفعاً ولا شفيعاً لدى واشنطن ، كما يبدو أن ذاكرة الإدارة الأمريكية قد تآكلت أو تجاهلت المعلومات المفيدة التي قدمتها دمشق لها عن تنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001م، واللقاءات التي كانت تتم بين ضباط ميدانيين من سورية وأمريكا ، وهي اللقاءات التي كشفت عن عدد من التحركات على الحدود، وبواسطتها تم إنقاذ حياة أمريكيين؛ ومع ذلك استمرت الإدارة الأمريكية في اتهام سورية بدعم المتسللين عبر حدودها إلى العراق، رغم الضغوط السورية لدى بعض العشائر السورية الحدودية التي استضافت الأخ غير الشقيق لصدام حسين لإبعاده عن التراب السوري بأى شكل، حيث تم إبعاده وألقي القبض عليه بأيدٍ أمريكية ، كما قررت أيضاً في بداية الحرب ضد النظام العراقي إبعاد أفراد من عائلة صدام عن أراضيها.
ومع ذلك استمرت الإدارة الأمريكية في تركيزها على استهداف سورية، وتصعيد الضغوط عليها بتقديم مطالب متعددة بعيدة كل البعد عن موضوع إخراج القوات السورية من لبنان، وعلى النظام السوري الاستجابة لها دون أدنى نقاش ، ومن أهم ما جاء في قائمة هذه المطالب: ضبط الحدود لعدم تسلل العناصر الإرهابية إلى العراق؛ وإنهاء الدعم السوري للمنظمات الفلسطينية بكافة الوسائل وطردها من الأراضى السورية؛ وإنهاء الدعم السوري لحزب الله؛ بالإضافة إلى العمل لقطع العلاقات الاستراتيجية مع إيران، مما يعني عزل سورية تماماً وإنهاء دورها الإقليمي في المنطقة؛ هذا بالإضافة لمطلب أهم، ألا وهو ضرورة تطبيع العلاقات السورية الإسرائيلية وفق الأجندة الإسرائيلية، مع التأكيد على منع سورية من التدخل في الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق.
ربما تكون تلك العوامل هي سر تصاعد حدة الضغوط الأمريكية في هذا التوقيت الحالي ، حيث جعلت سورية شماعة الفشل الأمريكي في العراق ، مما يعني أن المساعدات الكبيرة التي قدمتها دمشق للإدارة الأمريكية، بالإضافة للخروج السورى من لبنان، لم تخرج سورية من دائرة الضغوط والتحرشات الأمريكية.
فالمخطط الأمريكي وأجندة المحافظين الجدد الذين يقودون الإدارة الأمريكية ضد سورية قبل وبعد خروجها من لبنان، هو خير دليل على استمرار استهداف واشنطن لدمشق، خصوصاً بعدما استضافت واشنطن مؤخراً تجمعاً سورياً جديداً للمعارضة السورية، وبحثت معه مدى العون المادى والسياسي اللازم لها خلال سلسلة اللقاءات التي تمت بين أعضائه والمسؤولين بالخارجية الأمريكية، بهدف زعزعة الاستقرار في دمشق تمهيداً لقلب نظام الحكم.
والمدهش فى سيناريو التحرشات والتحذيرات ضد سورية، ذلك القرار الذي أصدره الرئيس الأمريكى بتجديد العقوبات الاقتصادية على دمشق، في رسالة بعثها إلى الكونجوس، وأكد فيها أن سورية مازالت تشكل تهديداً دائماً للأمن القومي الأمريكي وللسياسة الخارجية الأمريكية وللاقتصاد الأمريكى من خلال دعمها للإرهاب ومحاولتها تطوير أسلحة دمار شامل، وعرقلتها للجهود الأمريكية والدولية التي تبذل من أجل استقرار وإعادة إعمار العراق !
والتساؤل الذي يفرض نفسه بقوة حالياً هو: كيف يا ترى تشكل سورية تهدياً دائماً للأمن القومي الأمريكي وللسياسة الخارجية والاقتصاد الأمريكى؟! فهل سورية المحاصرة من القوات الأمريكية في العراق والقوات الإسرائيلية من الجهة الأخرى، بالإضافة إلى العقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية المفروضة على دمشق بسبب التحريض الأمريكي المستمر عليها تستطيع أن تشكّل كل هذا التهديد الخطير على الامبراطورية الأمريكية ؟ أو أن هذا التحذير مجرد تمهيد لما هو مقبل ؟
لقد أكدت الأنباء أن هذا التحذير الأمريكي ضد سورية هو مجرد محاولة حثيثة لتغيير النظام السوري بضربة موجعة، واستبداله بآخر يساعدها على تحقيق ما تصبو إليه في المنطقة دون عناء، خصوصاً وأن فرنسا قد انتقلت من موقع الصديق إلى الموقع الآخر، ويتردد أن هناك جملة من الأسباب تقف وراء هذا الانتقال، أهمها: أن سورية منحت عقد نفط لاستثمار الغاز السوري (بقيمة 759 مليون دولار) إلى تجمع شركات أمريكية - بريطانية - كندية ، وضربت عرض الحائط بمحاولات الرئيس شيراك الاستئثار بهذا العقد، مما أحنق الأخير الذي شعر بأن صداقته مع النظام السوري لا معنى لها، خصوصاً أن هذا العقد قد تم توقيعه بعد صدور قانون محاسبة سورية وموافقة الكونجوس الأمريكى عليه؛ومعلوم أن أمريكا كانت ولا تزال في حاجة إلى غطاء فرانكفوني (فرنسي) عند التعامل مع سوريا ولبنان، كما كانت في حاجة ماسة إلى غطاء انجلوفوني عندما تعاملت عسكرياً مع العراق، وكان معنى هذا أن الضوء الأخضر الفرنسي كان المؤشر الضروري نحو سياسة التصعيد الأمريكية تجاه سورية. وإذا وضعنا في الاعتبار أن واشنطن كانت - ولا تزال - تصر على ضرب الدور الإقليمي السوري سواء في لبنان أو في العراق أو في إيران لأدركنا أن حشد مزيد من الحلفاء للضغط على سورية هو سياسة أمريكية حاكمة في هذا المجال.
وإذا أضفنا إلى ذلك جملة الضغوط السياسية والإعلامية التي تمارسها واشنطن على سورية لإظهارها في ثوب من يقف ضد نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، لوجدنا أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن سورية تقف بالفعل فى مهب الريح؛ صحيح أن أوساطاً فرنسية تتحدث عن أن باريس. وإن كانت ضالعة فى التخطيط لتقزيم الدور السوري فى المنطقة، إلا أنها تضع تحفظاتها على رغبة أمريكا في تغيير النظام السوري، وتطرح - في الوقت نفسه - رؤية أخرى هي تغيير سياسة النظام فقط في سورية، وليس خافياً أن الفارق جوهري بين تغيير النظام وتغيير سياسة النظام .
الثابت أن واشنطن تواصل تصعيدها تجاه سورية، وتحذر من ازدياد دوائر العزلة، وإفساح المجال أمام خيارات كثيرة، ليس مستبعداً منها الخيار العسكرى .. كل ذلك يجري وسط أجواء من الافتراءات والأكاذيب التي أكدت أحداث أفغانستان والعراق أن لواشنطن فيها باعاً كبيراً .
تقرير (ميليس)
خلص تقرير اللجنة الدولية التي تولت التحقيق في اغتيال (رفيق الحريري) إلى أن ثمة تورط أكيد لمسؤولين أمنيين كبار فى سورية ولبنان في جريمة الاغتيال، وألقى شكوكاً على الرئيس (أميل لحود)، وقال التقرير إن خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورط مسؤولي أمن سوريين فى حادث الاغتيال ، وقال التقرير - الذي جاء فى 54 صفحة باللغة الإنجليزية - إن هناك أدلة عديدة تشير إلى وجود تورط لبناني سوري في عملية الاغتيال، وأن الأسباب وراء مقتل الحريري كانت سياسية ، بالنظر إلى الأجواء السياسية التي كانت سائدة في لبنان، وأشار إلى أن جزءاً مما يسمَّى بالأدلة المتطابقة يتعلق بقائمة من الاتصالات الهاتفية التي أجراها مختلف الأشخاص ، وجاء في التقرير أن كبار مسئولي الأمن اللبنانيين السابقين كانوا يعملون بواسطة المخابرات السورية، وأنه في ضوء تسلل خدمات المخابرات اللبنانية والسورية التي تعمل في ترادف داخل المؤسسات والمجتمع، فإنه من الصعب تصور سيناريو يمكن أن تنفذ فيه مثل عملية الاغتيال المعقدة هذه بدون معرفتهما.
وذكرت لجنة التحقيق فى تقريرها أن الدافع المرجح لاغتيال الحريرى كان سياسياً، ومع ذلك أشار التقرير إلى أن " الجريمة " لم تكن عمل أفراد، بل إن هناك مجموعة معقدة قد تكون مرتبطة بالفساد أو التزييف أو غسل الأموال قد تكون ساهمت في العملية، ودعت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري القضاء اللبناني وسلطات الأمن إلى مواصلة التحقيق، موضحة أن هذه السلطات أثبتت خلال التحقيق أنها تستطيع بمساعدة دولية أن تمضي قدماً في هذا التحقيق، مشيرة إلى أن إقامة جهد مشترك بين سلطات الأمن اللبنانية والمجتمع الدولي من شأنه أن يعزز ثقة الشعب اللبناني إلى حد كبير في نظام أمنه. وأشار التقرير إلى أنه ينبغي أن تنظر السلطات اللبنانية في جميع آثار القضية بما فيها المعاملات المصرفية وإلى تقويم تتابع التفجيرات، نظراً لإمكانية وجود علاقات بين بعضها البعض، ومن جهة أخرى طالب التقرير سورية بأن تفسر كثيراً من المسائل التي تحتاج إلى تفسير، وقال التقرير إن رسالة وزير خارجية سورية السيد (فاروق الشرع) التي وجهها إلى اللجنة قد ثبت أنها تحتوي على معلومات مضللة، مشيراً إلى أن الصورة الكاملة لعملية الاغتيال لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق تحقيق شامل .
وكانت أبرز النقاط التي وردت في التقرير بخصوص سورية ما يلي:
1- التورط السورى : يمكننا التصور بشكل معقول أن قرار اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ما كان ممكناً اتخاذه من دون موافقة مسؤولين رفيعي المستوى في أجهزة الأمن السورية، وما كان ممكناً تنظيمه من دون اشتراك نظرائهم في الأجهزة الأمنية اللبنانية.
- "ثمة أدلة متطابقة تظهر تورطاً لبنانياً وسورياً في هذا العمل الإرهابي.
- إنه لأمر معروف أن الاستخبارات العسكرية السورية كان لها وجود كاسح في لبنان حتى انسحاب القوات السورية بموجب القرار 1559، وهي التى عيّنت كبار المسؤولين الأمنيين السابقين في لبنان.
- نظراً إلى اختراق أجهزة الاستخبارات السورية واللبنانية -التى عملت بشكل مشترك - للمؤسسات والمجتمع اللبناني، من الصعب تخيل تنفيذ سيناريو أو مخطط لعملية اغتيال بهذا التعقيد من دون علمهما".
2- التعاون السوري: " إذا كانت السلطات السورية بعد تردد فى البداية قد تعاونت إلى حد ما ، فإن عدداً من الأشخاص الذين تم استجوابهم حاولوا أن يضللوا التحقيق، إذ إن الرسالة التي وجهها إلى اللجنة وزير الخارجية في الجمهورية العربية السورية (فاروق الشرع) تبين أنها تتضمن معلومات مغلوطة ، وبعد استجواب شهود ومشبوهين، والتأكد من أن بعض الطرق تقود مباشرة إلى مسؤولين في الأمن السوري في الاغتيال، ، يتعين على سورية أن توضح جزءاً كبيراً من المسائل التى لم تحل".
"نقص التعاون الجوهري، يعرقل التحقيق وعقَّد متابعة بعض الخيوط لاستكمال التحقيق، من الأساس لم تتعاون الحكومة السورية بالكامل".
3- دافع سياسى على الأرجح : الدافع المحتمل للاغتيال هو سياسي، لكن يبدو أن الغش والاحتيال والفساد وتبيض الأموال، كانت أيضاً دوافع للأفراد المشاركين في العملية.
4- على لبنان متابعة التحقيق : تخلص اللجنة إلى أن التحقيقيجب أن يستكمل من قبل السلطات القضائية والأمنية، التي أظهرت خلال التحقيق أنها من خلال المساعدة والدعم الدوليين، تستطيع المضي قدماً واتخاذ المبادرة أحياناً بفاعلية ومهنية، وعلى السلطات اللبنانية أن تدرس جميع تشعبات القضية بما فيها التحويلات المصرفية.
5- دعم دولي ضروري : الجهد المتواصل من جانب المجموعة الدولية أمر جوهري لوضع برنامج للمساعدة والتعاون مع السلطات اللبنانية في مجال الأمن والقضاء ، ويفترض أن يزيد ذلك بشكل كبير من ثقة الشعب اللبناني في أجهزته الأمنية.
6- كيفية تنفيذ عملية الاغتيال: ترى اللجنة أن عملية الاغتيال في 14 فبراير 2005م نفذتها مجموعة تمتلك قدرات تنظيمية وموارد كبيرة، وقد تم الإعداد له على مدى عدة أشهر، وعبر التنصت المتواصل على هواتف الحريري، اطلعت أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية باستمرار على تحركات الحريري واتصالاته، وأن الانفجار الذي قتل فيه الحريري حصل فوق الأرض . وقد استخدم ما لا يقل عن ألف كيلوجرام من المتفجرات العسكرية.
ردود الفعل السورية :
في ردود فعل سريعة على تقرير اللجنة الدولية حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق (رفيق الحريري)، اعتبرت سورية أن التقرير بيان سياسى موجَّه ضد سورية ، ورفضت لبنان ما ورد في التقرير من اتصال هاتفي تم بين الرئيس اللبناني (إميل لحود) وأحد المشتبه بهم قبل دقائق من عملية الاغتيال.
ففى دمشق وصف وزير الإعلام السوري التقرير بأنه مُسيَّس 100% وبعيد عن الحقيقة والمهنية ، وقال إن التقرير أشبه ببيان سياسي موجَّه إلى سورية يستند لروايات شهود معروفين بموافقهم المعادية لدمشق، ونفى بشدة تورط سورية في اغتيال الحريري ، وانتقد ما وصفه بتضارب وخلط في المعلومات بالتقرير، وقال إنه يعتمد على سياسة القيل والقال دون أي تمحيص للاتهامات، وقال إن التقرير بعيد عن المهنية ولن يوصلنا إلى الحقيقة، وإنما سوف يكون جزءاً من هذا التضليل الكبير ومن هذا التوتر الكبير الذي تعيش فيه المنطقة، وقال إن سورية لا تستخدم سياسة الاغتيالات ضد أعدائها وأصدقائها ، وأضاف أن بلاده تُعاقَب على سياساتها المناهضة للولايات المتحدة وسياساتها المناهضة لإسرائيل في الصراعين الفلسطيني والعراقي، ورأى أن الاتهامات الواردة في التقرير خطيرة، وذات طابع سياسي، مشدداً على أنه لا يمكن كتابة أي تقرير من دون إثباتات ، واعتبر أن هنالك موقفاً مسبقاً معادياً لسورية، وطالب بتقرير نزيه وموضوعي يشير إلى الأمور بأسمائها من أجل التوصل إلى الحقيقة.
تحذير دولى بالقرار (1636)
يشير الواقع الدولي إلى أن هناك تزايداً في حجم المشكلة بين سورية والمجتمع الدولي، فبينما خرج القرار رقم (1559) بغالبية
تسعة أصوات من أصل 15 ، صدر القرار (1636) بالإجماع، حيث لم يجد أي من الأعضاء ال 15 بمن فى ذلك الجزائر الدولة العربية الوحيدة داعياً لقول: لا، أو حتى التحفظ على النص الذي يستند إلى الفصل السابع من " الميثاق "، بما يوحي أن الخطوات الدولية التالية قد تتخذ منحى أكثر قساوة وتشدداً ، ويتركز القرار الجديد على التحقيق في اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية وكشف الحقيقة دون الخوض في مسائل جانبية على نحو ما حاولت أن تبرزه المواقف السورية في الأيام الماضية بإضفائها عليه سلفاً طابعاً سياسياً يشتم منه استهداف النظام السوري، بعدما كانت وصفت تقرير لجنة التحقيق الدولية بأنه " مسيَّس " .
ويبدو أن صيغة القرار الذى يشكل رسالة مهمة تجاوزت فكرة إرضاء روسيا والصين للموافقة عليه، إلى ما يشكّل تحذيراً أخيراً لسورية للتعاون مع التحقيق الدولى في اغتيال الحريري. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن القرار لم يشر إلا إلى هدف واحد هو كشف الفاعلين في جريمة الاغتيال، ويعني ذلك بالنسبة إليها ألاّ تعديلات طرأت على القرار بغية إضعاف الهدف الذي رمى إليه؛ وهو على الأقل ما يؤكده القرار نفسه والإجماع الذي حازه بعدم إغلاق الأبواب دون الفصل السابع الذي سيكون سيفاً مصلتاً على سورية، ويعنى ذلك أيضاً أن على سورية فى حال إحجامها عن التعاون أن تتوقع الإجراءات التي تخشاها . وترى المصادر الدبلوماسية القرار (1636) على أنه فرصة إضافية لسورية للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية بما يتعدى الموقف الإعلامي إلى اتخاذ التدابير الجدية، سواء بإظهار مصداقية الخطوات القضائية التي اتخذتها قبل أيام، وذلك بالتحقيق مع من يشتبه في ضلوعهم في اغتيال الحريري وتوقيفهم وتجميد أرصدتهم المالية اقتداء بما حصل مع الضباط الأربعة الكبار فى لبنان، أو عبر تسهيل كل الشروط التى يطلبها القاضي الألماني (ديتليف ميليس) للخوض في جولة جديدة من الاستجوابات تبعاً لما يقرره هو .
إن إجماع الأعضاء ال 15 في مجلس الأمن على القرار وخصوصاً روسيا والصين والجزائر بعدما راهنت دمشق على اضطلاع هذه الدول بدور معارض، يحمل رسالة قوية من المجتمع العربى أيضاً من خلال ممثلته في مجلس الأمن بضرورة التعاطي الايجابي مع ما نص عليه القرار الجديد وهو تعاون دمشق مع لجنة التحقيق الدولية تفادياً لتعريضها لعزلة خانقة .
وتأكيداً لهذا التوجُّه، يستبعد السفير الأمريكى السابق لدى إسرائيل (مارتن انديك) التقارير الواردة عن سعي الولايات المتحدة للتوصل إلى صفقة مع النظام السوري كما كان الحال مع ليبيا مؤخراً، وذلك لعدم حاجة واشنطن لذلك، ويرى أن كل ما يجب أن تتوقعه دمشق هو المزيد من الضغوط. وبالتالي فإنه لا يرى مانعاً من أن تدع واشنطن النظام السوري يعيش في عزلة بناء على قرارات يتخذها هو. ويضيف أنديك إن درجة الثقة لدى الإدارة الحالية في الرئيس بشار ضعيفة للغاية، وذلك بعد فشله في الاستجابة لعدة مطالب أمريكية مباشرة بالتعاون في الشأن العراقى تحديداً.
وعلى هذا الأساس، فإن البدائل المتاحة الآن أمام النظام السوري تبدو محدودة إلى حد كبير. ومن الواضح بالطبع أن شعور الحكومة السورية بعمق المأزق هو ما دفعها إلى اتخاذ سلسة القرارات السريعة التي قامت باتخاذها مؤخراً ومتأخراً من وجهة نظر واشنطن لتشديد الحراسة على الحدود مع العراق ووضع قيود على دخول العرب لسورية دون تأشيرة مسبقة، والذي تقول الولايات المتحدة إنه المدخل الرئيس لتسريب المقاتلين إلى العراق لمقاومة الاحتلال الأمريكي، وكذلك الإعلان المقتضب عن خروج رئيس تنظيم الجهاد في فلسطين (عبد الله شلح) من دمشق تقديراً لحجم الضغوط الواقعة على سورية وتوجُّهه إلى جهة غير معلومة، وأخيراً قرار الرئيس بشار بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في حادثة اغتيال الحريرى ومحاسبة أي مسؤول سوري يثبت تورطه . ولكن لحظة الحسم ستأتى عندما يطلب المحقق الدولي ميليس من اللجنة التي شكلها القرار (1636) تجميد أرصدة عدد من كبار المسؤولين السوريين وفرض حظر السفر عليهم .
مواجهة أجواء الاحتقان
يرى المحللون أن ما أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن، سيشكل إعلاناً واضحاً للدوافع السياسية الأمريكية ، الهادفة إلى استغلال جريمة اغتيال الحريري لإدانة سورية سياسياً قبل إدانتها جنائياً من خلال تحقيقات ميليس ، فقد ربطت رايس أسباب اغتيال الحريري بمطالبته بخروج القوات السورية من لبنان ، وأضافت : "بقرارنا اليوم نظهر أن سورية قد عزلت نفسها عن المجتمع الدولي، من خلال تصريحات خاطئة ، ومساندة الإرهاب، وتدخلها في شؤون جيرانها ، وسلوكياتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط ".
ويشير تصريح رايس بوضوح إلى نزعة جديدة في الاتهامات التي تسوّقها الإدارة الأمريكية للنيل من سورية، حيث تتهمها بأنها مصدر للقلاقل وعدم الاستقرار على المستويين الإقليمى والدولى ، وهذا يؤكد المخاوف التي يعرب عنها بعض القادة العرب من أن سورية قد دخلت إلى دائرة الاستهداف الأمريكى، وفي هذا المجال لم تعد تنفع الوساطات أو المواقف العربية في احتواء المخاطر التي يواجهها الحكم السوري، وأن الوسيلة الوحيدة المتاحة الآن لتخفيف الضغوط الأمريكية المستمرة والمتصاعدة تكمن في تجاوب سورية، أولاً، مع لجنة ميليس ، وأن تبادر سورية، ثانياً، قدماً في برنامج إصلاحى شامل، وأن تجري، ثالثاً، عملية تقويم شاملة لسياستها العربية والدولية ، من أجل اعتماد دبلوماسية فاعلة تتجاوب مع التطورات الدولية.
ففي عالم اليوم لم يعد من الممكن اللجوء إلى الأساليب التقليدية لاستيعاب الضغوط المباشرة ، فالصداقات الدولية ليست كافية ، والنظام العربي في أضعف حالاته، إن لم يكن قد سقط ، وأيضاً تفككت كتلة عدم الانحياز، وأفضل الدلائل نجده في مناقشات مجلس الأمن الأخيرة. في عملية التقويم، لابد أن تسترجع دمشق في قراءتها لتصريح (كوندوليزا رايس) بعد جلسة مجلس الأمن، واتهامها لسورية بتعميم الفوضى وعدم الاستقرار لدى جيرانها وفي المنطقة؛ وكذلك قول الوزيرة الأمريكية في أبريل الماضي : إن الوضع الحالي في المنطقة ليس مستقراً، ومن هنا فإن ما يمكن أن تثيره عملية التحول نحو الديمقراطية ، من فوضى بداية ، هو من نوع الفوضى الخلاقة التي تتبناها الخارجية الأمريكية.
وتبقى مهمة المساعدة على كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري يلمهمة الأسهل في مواجهة أجواء الاحتقان السياسي الذي تثيره السياسات الأمريكية، والذي ينذر باحتمالات تكرار المأساة التي نشهد فصولها اليوم في العراق. وخلاصة القول، إنه مع التسليم بأن هامش المناورة السياسية في هذه الأزمة يبدو آخذاً في التآكل، إلا أن براعة القدرة على الاستمساك بالقدر الضئيل المتبقي من هذا الهامش يمكن أن يوفر الفرصة لنجاح المرونة السياسية وإنقاذ المنطقة برمتها من خطر وشيك، وليست المرونة السياسية دائماً عنواناً للتنازل أو الاستسلام
المراجع
1. القرار (1636) يتضمن فرض عقوبات ذكية، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (9836)، 2-11-2005م.
2. معركة سورية القادمة مع مجلس الأمن، صحيفة آفاق عربية، العدد (733)، 3-11-2005م.
3. عادل الطريفي، سورية: ما هي متطلبات الخروج من الأزمة؟ صحيفة الرياض، العدد (13638)، 26-10-2005م.
4. كيف تتجنب دمشق مصير بغداد، صحيفة الأهرام، العدد (43433)، 5-11-2005م.
5. تقرير ميليس يؤكد تورط سورية ولبنان في عين الإعصار، صحيفة الأهرام، العدد (43419)، 22-10-2005م.
6. مرسي عطا الله، المأزق السوري وخيارات المواجهة، صحيفة الأهرام، العدد (43442)، 8-11-2005م.
7. قرار مجلس الأمن يعزز الانقسام السياسي في لبنان، صحيفة الأهرام، العدد (43431)، 3-11-2005م.
8. أيام صعبة تنتظر سورية، صحيفة الأهرام، العدد (43431)، 3-11-2005م.
9. فؤاد جاد، إعصار ميليس يجتاح سورية، صحيفة الأهرام المسائي، العدد (5299)، 30-10-2005م.
10. محمد عبدالله الأحمد، إدارة المأزق: سورية بين ميليس وقميص عثمان، صحيفة الأسبوع العربي، العدد (449)، 31-10-2005م.
11. مكرم محمد أحمد، حول القرار (1636)، صحيفة الأهرام، العدد (43433)، 5-11-2005م.
12. نعمان جلال، نظرة سياسية على قرار مجلس الأمن، صحيفة الأهرام، العدد (43433)، 5-11-2005م.