أمسك شارون بزمام السلطة كرئيس لوزراء إسرائيل في شهر فبراير 2002م، ومازال يشغل ذلك المنصب. ويتفق أصدقاؤه وأعداؤه على أن هذا الجنرال الإسرائيلي السابق يتمتع بحنكة استراتيجية ماكرة، ويعمل ما في وسعه من أجل تحقيق مصالح إسرائيل .
وقد لاحظ شارون منذ البداية أن معدلات المواليد بين الفلسطينيين تفوق معدلاتها بين الإسرائيليين، مما يلحق الضرر بإسرائيل مستقبلاً في السلم والحرب. وقد درجت إسرائيل على معارضة فكرة إقامة دولة واحدة تضم الفلسطينيين والإسرائيليين، خشية ضياع دولتها ذات الأقلية إن لم تبق منفصلة. وفي محاولة من شارون لتفادي حدوث ذلك، فقد ابتكر خطة تقضي بإعادة رسم الحدود وتفكيك مستوطنات إسرائيلية معينة من بعض مناطق الأراضي المحتلة.
لقد ظل قطاع غزة والضفة الغربية تحت نير الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب الأيام الستة (حرب 1967م)، التي عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعدها على تشجيع هجرة يهود الشتات إلى الأراضي المحتلة ومساعدتهم على الاستيطان فيها. وتعتبر إسرائيل هؤلاء المهاجرين جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها الدفاعية، ففي قطاع غزة مثلاً، استوطنت مجموعة من المهاجرين في منطقة عازلة بين المناطق التي يقطنها فلسطينيون وبين الجبهة المصرية، وبموجب القانون الدولي فإن معظم هؤلاء المهاجرين يعتبرون غير شرعيين.
وقد كشف شارون في شهر فبراير 2003م - لأول مرة - عن بعض تفاصيل خطته أحادية الجانب لفك الاشتباك، وذلك في مقابلة مع الصحافة الإسرائيلية (هآرتز)، إذ أعلن بأنه قد أصدر أوامره فعلاً بتفكيك مستوطنات في قطاع غزة. وأضاف قائلاً إنه سيعمل في المستقبل على فرضية "إخلاء قطاع غزة من الإسرائيليين". كما تحدث عن احتمال تنفيذ خطته في حال فشل مبادرة السلام التي يطلق عليها اسم "خريطة الطريق". وقد قابل المستوطنون الإسرائيليون هذا الإعلان بغضب شديد، قائلين إنهم سوف يعارضون أية محاولة لإخلائهم من منازلهم. وكشف شارون لاحقاً عن مزيد من تفاصيل خطته في اجتماع من اجتماعات حزب الليكود الحاكم، ولكنه لم يحدد جدولاً زمنياً لتفكيك المستوطنات، كما أعلن عن عزمه تقديم مذكرة قبل إخلائه للمستوطنين الإسرائيليين.
وكان حوالي 7500 مستوطن إسرائيلي يشغلون حوالي 40% من قطاع غزة يسكنون في مستوطنات تتوفر لها حراسة مشددة، بجانب 3ر1 مليون فلسطيني، وفي الضفة الغربية يوجد حوالي 000ر23 مستوطن إسرائيلي يعيشون في الظروف نفسها.
وفي التاسع من يناير 2005م أجريت انتخابات في الأراضي الفلسطينية، تم فيها انتخاب محمود عباس (أبو مازن) رئيساً للسلطة الفلسطينية، حيث فاز بأكثر من 62% من الأصوات.
وكان عباس - الذي شغل منصب رئيس المجلس التشريعي في السلطة الفلسطينية - مرشحاً عن منظمة فتح (منظمة التحرير الفلسطينية) وهي أقوى الأحزاب الفلسطينية، بينما قاطعت منظمتا حماس والجهاد الإسلامي الانتخابات من منطلق أن مشاركتهما تعتبر اعترافاً باتفاقيات أوسلو لعام 1993م بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي ظل رِضا الرئيس الأمريكي بوش بالطريقة التي أجريت بها الانتخابات الفلسطينية، أقنع كل من محمود عباس وشارون بالاجتماع في شرم الشيخ في الثامن من فبراير 2005م، واتفق الزعيمان الفلسطيني والإسرائيلي على إنهاء أعمال العنف، وردّ بوش على ذلك بإعلانه استئناف بعض المساعدات للفلسطينيين، والتي كانت قد قطعت في عهد الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. ويُعد هذا الاجتماع مؤشراً رمزياً على انتهاء الانتفاضة الفلسطينية، وأطلق الإسرائيليون بعده سراح بعض المعتقلين الفلسطينيين ودعا الرئيس بوش كلاً من محمود عباس وشارون لزيارته.
وفي يوم 22 فبراير 2005م صادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة شارون أحادية الجانب، ولكن عندما أكد عزمه على المضي قدماً في تنفيذها، احتشد المستوطنون الغاضبون في تل أبيب متظاهرين ضدها.
وقام شارون بزيارة للولايات المتحدة في 11 أبريل، حذره الرئيس بوش خلالها من مغبة توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وطالبه بتنفيذ الالتزامات التي قطعها على نفسه بموجب بنود اتفاقية خريطة الطريق. كما أكد الرئيس بوش على ضرورة تفكيك كافة المواقع الإسرائيلية غير المصرح بها في الأراضي المحتلة. وقام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بزيارة للولايات المتحدة في الفترة ما بين (26-28 مايو)، تعهد له بوش خلالها بتقديم مساعدات مباشرة للسلطة الوطنية الفلسطينية لتنمية قطاع غزة بعد إخلاء الإسرائيليين منه. وتمخضت هذه الاجتماعات عن لقاء قمة آخر بين محمود عباس وشارون في القدس - يوم 21 يونيو - جدد فيه شارون مطالبته للسلطة الوطنية الفلسطينية باتخاذ تدابير صارمة ضد الإهاب، وأبدى محمود عباس خلال ذلك الاجتماع تذمره من عدم إحراز تقدم سياسي من جانب إسرائيل في المفاوضات.
الجدار العازل
وفي غضون ذلك تسببت الانتفاضة في فرض ضغوط شديدة على إسرائيل، مما اضطر القوات الإسرائيلية للشروع في إقامة جدار عازل قوي من شبكة مبنية من الحديد والأسمنت، تعزل بعض أجزائه المواطنين الفلسطينيين عن مزارعهم. وقد تسبب هذا الحاجز - الذي يدعي الإسرائيليون ضرورة إقامته لحماية المستوطنين من الهجمات المسلحة التي يشنها الفدائيون الفلسطينيون - في كثير من المضايقات المحلية. وقد بدأت محكمة العدل الدولية في لاهاي النظر في شرعية الجدار العازل - الذي من المقرر أن يمتد لمسافة 700كلم - وقد رفعت هذه الدعوى بناء على تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد شاركت أكثر من 15 دولة ومنظمة في جلسات الاستماع، وتعاطفت جميعا مع القضية الفلسطينية. ولم تحضر إسرائيل مرافعات المحكمة، وإنما سلمت فقط بعض الوثائق كأدلة. وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد أعلنت عدم شرعية أجزاء من الجدار العازل.
خطة فك الاشتباك
في منتصف شهر ديسمبر 2003م، ألقى شارون خطاباً سياسياً مهماً، اقترح فيه فك الاشتباك من جانب واحد لفصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين، وتضمنت تلك الخطة أيضاً عزمه على المضي قدماً في بناء الجدار العازل وتفكيك عدد من المستوطنات الإسرائيلية النائية. وفي يوم 10 يناير 2004م، أصدرت اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية بياناً تؤكد فيه حقها في إعلان نفسها دولة مستقلة (في قطاع غزة والضفة الغربية) في حال تبني إسرائيل لخطة شارون.
وفي شهر أبريل، 2004م، أثنى الرئيس الأمريكي بوش على نوايا شارون بسحب بعض المستوطنات الإسرائيلية من الأراضي العربية، مؤكداً في الوقت نفسه على ضرورة سيطرة الإسرائيليين على مستوطناتهم الكبرى في الضفة الغربية. ويعد ذلك بمثابة تحول كبير في السياسة الأمريكية، وقد قوبلت تصريحات بوش بسخط وغضب شديدين في العالم العربي. وفي يوم 6 يونيو حصل شارون على موافقة حكومته لتطبيق خطته. وفي يوم 14 يونيو بقيت حكومته في السلطة بفارق صوت واحد في تصويت أجري بشأن طرح الثقة في تلك الحكومة، أي بفارق أغلبية ضئيلة.
ورغم ما لقيه شارون من مقاومة كبيرة لمشروعه، فقد مضى في الإعداد له حتى سرى مفعوله ابتداء من 15 أغسطس 2005م بترحيل أكثر من 500ر8 مستوطن من قطاع غزة و 760 آخرين من مستوطنات في الضفة الغربية. وبذلك يكون قد أنجز هذا الجزء من الخطة قبل موعده المحدد، حيث كان من المقرر اكتماله في 23 أغسطس.
ورغم اهتمام وسائل الإعلام بالحوادث المتفرقة وعمليات الاحتجاج الواسعة التي صاحبت تفكيك المستوطنات، فقد تم تنفيذ الخطة بسرعة وفعالية. وتمركزت القوات الإسرائيلية بعد ذلك على حدود قطاع غزة - التي استلمتها السلطة الوطنية الفلسطينية - لحراسة الحدود الجديدة، ويبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أخطأ فهم الدوافع الخفية لشارون، ظناً منه أن عملية ترحيل المستوطنين الإسرائيليين ستكون مقدمة لعمليات ترحيل أخرى، لذا فقد بعث برسالة تهنئة لشارون، ولكنه سرعان ما اكتشف أن الإسرائيليين يحكمون قبضتهم على حدود قطاع غزة براً وبحراً وجواً، مما يمنع حركة دخول وخروج المواطنين الفلسطينيين، بحيث لا يتمكن فلسطينيو قطاع غزة من القيام بأعمال تجارية دولية أو من توسيع أو استخدام مينائهم المتهالك أو مطارهم الذي لم يستخدم منذ أمد طويل. ومازال هناك 000ر250 فلسطيني في الضفة الشرقية و000ر200 آخرين في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل.
تجدد أعمال العنف
بدلاً من أن تكون خطة شارون عاملاً من عوامل تشجيع التعايش السلمي، فقد أفضت إلى مزيد من أعمال العنف، ففي خلال أيام قليلة أبدى الفلسطينيون تبرمهم من استمرار إسرائيل في سياسة الاغتيالات التي تنتهجها ضد زعماء الفصائل الفلسطينية. وتزعم إسرائيل أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي ترسلان استشهاديين من قطاع غزة إلى إسرائيل، لذا ألح شارون على محمود عباس لاتخاذ تدابير ضد الناشطين الفلسطينيين، ولكن محمود عباس أشار إليه بأن ذلك يعني اندلاع حرب أهلية يعمل ما في وسعه لتجنبها.
وبعد أن ساد المنطقة هدوء نسبي أثناء ترحيل المستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة والضفة الغربية، اندلعت أعمال عنف مرة أخرى في 25 أغسطس، عندما شنت القوات الإسرائيلية غارة على أحد مخيمات اللاجئين بالقرب من مدينة طولكرم، أدت إلى استشهاد خمسة فلسطينيين، وزعمت المصادر الإسرائيلية أنهم ينتمون لمنظمتي الجهاد الإسلامي وشهداء الأقصى - الجناح العسكري لمنظمة فتح - واتهمتهم بتنفيذ تفجيرين في إسرائيل. وفي قطاع غزة أعلنت لجنة المقاومة الشعبية مسؤوليتها عن إطلاق صاروخ سقط بالقرب من مدينة "سيدروت" الإسرائيلية، وورد في بيانها أن هذا الهجوم قد جاء كرد فعل على "مذبحة طولكرم".
ويبدو أن خطة شارون لم تمض كآلية لتحقيق السلام - حسبما تشتهي سفن الإسرائيليين - وتفيد المصادر الإسرائيلية أن منظمة الجهاد الإسلامي - التابعة لمنظمة فتح - قد أصبحت أكثر عدوانية بعد موت الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، حيث تركزت أعمالها على الهجمات الاستشهادية التي يقوم بها الناشطون الفلسطينيون ضد المدن الإسرائيلية، والتي تنطلق حالياً من الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة. وتفيد التقارير أن منظمة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا شهداء الأقصى ذات صلة وطيدة بإيران، وتتلقى مساعدات كبيرة منها عن طريق سورية. وقد درج الإسرائيليون على الرد على تلك الهجمات بالغارات الجوية، وإطلاق الصواريخ، واتباع سياسة اغتيال قادة الفصائل الفلسطينية.
التهديد الإيراني
في يوم 26 أكتوبر 2005م، ألقى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد محاضرة على حشد طلابي بعنوان: "عالم بلا صهيونية" ضمن الاستعدادات للمظاهرة السنوية ضد إسرائيل التي تعقد في الجمعة الأخيرة من رمضان من كل عام، وفاجأ الجميع بقوله: "ينبغي مسح إسرائيل من خريطة العالم". وأحدثت هذه التصريحات المدوية غضباً عارماً في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى التي تزعجها أصلاً السياسة الإيرانية النووية. وأفادت التقارير لاحقاً أن الرئيس الإيراني قد صرح بأن "إسرائيل دولة قومية وليست ديمقراطية".
ولكن الشتائم لم تكن من جانب واحد فقط، فعلى سبيل المثال، اتهم الرئيس الأمريكي بوش إيران عشية الانتخابات (16 يونيو) بأنها "تحكمها زمرة من الرجال الذين يكتمون الحريات في بلدهم ويصدرون الإرهاب للخارج". وبعد يومين من ذلك صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا رايس" بأن الولايات المتحدة تعتبر الانتخابات الإيرانية غير شرعية، وأضافت أن إدارة بوش لن تتعامل مع الحكومة الإيرانية الجديدة إلا إذا غيرت سلوكها في عدد من القضايا، من بينها الإصلاحات السياسية، والملف النووي، والعراق، والإرهاب.
وفي شهر يونيو 2005م، تم انتخاب محمود أحمدي نجاد - عمدة طهران السابق - كرئيس لإيران بعد هزيمته للرئيس السابق محمد خاتمي الذي انتخب للمرة الأولى عام 1997م ثم أعيد انتخابه مرة ثانية عام 2001م، وصرح نجاد في أول مؤتمر صحفي له بعد الانتخابات أنه لن يخضع للضغوط الدولية فيما يتعلق بتخلي إيران عن برنامجها النووي، ووصف الصهاينة بأنهم سبب عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وأدى اليمين الدستورية كرئيس لإيران في شهر أغسطس 2005م.
ولا تعرف الدول الغربية كثيراً عن أحمدي نجاد، ورغم نفي إيران ارتباطها بالجماعات الإرهابية أو تقديم دعم لها، إلا أن البعض يهمس بأن زعماء القاعدة يتجولون بحرية في شوارع طهران.
وفي رد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون على تعليقات الرئيس الإيراني قال، إن إيران تشكل تهديداً لإسرائيل من ثلاث جبهات: الصواريخ البالستية بعيدة المدى في لبنان، وشبكة الإرهابيين في العالم، وترسانه الأسلحة الجديدة في الضفة الغربية. كما سربت الاستخبارات الإسرائيلية معلومات لوسائل الإعلام الإسرائيلية تتعلق بالمسائل الدفاعية تتهم إيران بدفع ملايين الدولارات سنوياً لمنظمة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة لتمويل عملياتها الإرهابية وإنشاء ورش لتصنيع الصواريخ قصيرة المدى، التي يمكن أن يتم إطلاقها على المطارات والمدن الإسرائيلية لإحداث خسائر فادحة في الأرواح، مما جعل عمد المدن الإسرائيلية التي تقع ضمن مدى تلك الصواريخ يطالبون بصفارات إنذار لتحذير مواطنيهم بقرب حدوث الغارات.
ومن الأمثلة على الأشكال الجديدة من هذه العمليات، ما وقع يوم 23 سبتمبر، عندما انفجرت شاحنة فلسطينية محملة بالمتفجرات أثناء مسيرة نظمتها حركة حماس في مخيم جباليا للاجئين في قطاع غزة، مما أدى إلى قتل ثمانية أشخاص وجرح أكثر من 60 آخرين معظمهم من المدنيين، وقد أعلنت حركة حماس أن الشاحنة فجرها صاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية بدون طيار بالتحكم عن بعد. وردت حركة حماس على الغارة الإسرائيلية بإطلاق مجموعة من قذائف الهاون.
وفي ظل ما أسفرت عنه خطة شارون لفك الاشتباك، ثمة سؤال قد يطرحه حتى شارون على نفسه: ما الجدوى التي حققتها الخطة للإسرائيليين، بل ولعملية السلام في منطقة الشرق الأوسط برمتها؟ ونظراً للضغوط التي يتعرض لها شارون، وبعض القضايا السياسية المحلية الأخرى داخل إسرائيل، فقد اتخذ خطوة مهمة، حيث أعلن في يوم 21 نوفمبر 2005م أنه سيقدم استقالته من حزب الليكود - الذي شارك في تأسيسه عام 1973م - بعد أن بلغ عمره 77 عاماً لينشئ حزباً جديداً باسم "المسؤولية الوطنية"، ومن المتوقع أن تجري الانتخابات الإسرائيلية في شهر مارس 2006م