بقلم- د. محمد عزت محمد علي
عندما قامت الصين بإجراء أول اختبار لسلاح نووي في عام 1964م، كان هناك ما يبرر قلق الغرب، فقد كانت الصين هي الدولة الوحيدة التي واجهت وحاربت الولايات المتحدة مؤخراً في كوريا، وكانت مصدر تهديد لدول عديدة بعيدة عنها، مثل الهند وإندونسيا، كما أنها أيدت الحركات الثورية في العالم الثالث، ولكن الوضع قد تغيَّر اليوم ، ولا ينبغي أن يستمر القلق بالقدر نفسه، حيث إن ترسانة الصين النووية صغيرة نوعاً ما ولا تضم إلا 24 صاروخاً نووياً عابراً للقارات فقط، يمكنها أن تصل إلى الولايات المتحدة، علاوة على امتلاكها لعدد قليل جداً من المدمرات، و 70 غواصة نادراً ما تغادر مياهها الإقليمية الصينية، وليس لديها أسطول من حاملات الطائرات المقاتلة ولا قواعد عسكرية في الخارج، وتقوم بإنتاج قاذفات قصيرة المدى، نشرت منها 600 صاروخ في مواجهة تايوان، وإن كانت وزارة الدفاع التايوانية تقدر عدد هذه الصواريخ بسبعمائة صاروخ منتشرة في المناطق البحرية المطلة على الجزيرة، ويتوقع أن تزيد الصين من عدد هذه الصواريخ ليصل إلى 1400 صاروخ بحلول عام 2014م(1).
التوجه لموسكو وزيادة ميزانية الصين العسكرية
حظرت واشنطن بيع السلاح إلى بكين منذ عام 1989م - في أعقاب مذبحة ميدان "تيان إن مين" - ومنذ ذلك الحين وهى تعاني من الحاجة إلى تطوير قدراتها العسكرية على نحو يضمن لها حماية إنجازاتها الاقتصادية واستثماراتها الهائلة داخل الصين وخارجها، ويحقق لها هيبة عسكرية دولية تعزز من مكانتها الاقتصادية المتنامية وتقوي موقفها التفاوضي في مواجهة منافسيها الاقتصاديين الذين تتصدرهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو أمر متعذر في ظل حظر بيع السلاح المفروض على بكين، مما دعاها إلى محاولة توثيق عُرى التعاون مع موسكو عبر إجراء المناورات المشتركة معها، بما يضمن لها مورِّداً مضموناً للسلاح والتكنولوجيا العسكرية المتطورة في ظل حرص الغرب على منع وصول تلك التكنولوجيا إلى بكين. واستطاعت الصين أن تحصل على أسلحة من روسيا خلال السنوات الثلاث الماضية بما قيمته خمسة مليارات من الدولارات، كان نصيب العام الحالي (2005) منها مليارين من الدولارات، وقد شملت تلك الصفقات: معدات، وصواريخ، وغواصات ديزل، ومقاتلات سوخوى 27 و30، ومعدات حربية متنوعة.(2)، وصرح الجنرال "فلاديمير ميخائيلوف" - قائد القوات الجوية الروسية - بأن روسيا تنوى تزويد الصين بطائرات استراتيجية قاذفة للقنابل من طرازي SU-27M و SU-29M، وقاذفات بعيدة المدى من طراز TU-22M-3، وكذلك حاملات صواريخ من طراز TU-95MS.
وأعلنت الحكومة الصينية عن زيادة الميزانية العسكرية هذا العام بنسبة 6ر12%، أي ما قيمته 8ر22 مليار يورو، ورغم هذه الزيادة صرح المتحدث باسم مؤتمر الشعب العام أن ميزانية الدفاع الصينية تُعد قليلة نسبياً بالمقارنة بميزانية الدول الكبرى الأخرى، حيث خصصت الولايات المتحدة مبلغ 304 مليارات يورو لميزانيتها العسكرية، بينما خصصت اليابان 350 مليار يورو. ويرى المحللون أن الرقم الحقيقي للميزانية العسكرية الصينية يتراوح بين ضعف ما تم إعلانه وأربعة أضعافه، لأن الميزانية العسكرية للصين زادت بنسبة 6ر11% في عام 2004م، وبنسبة 6ر9% في عام 2003م، وبنسبة 6ر17% في عام 2002م(3).
كيف تنظر أمريكا إلى الصين بعد الحرب الباردة؟
من الصعب تقديم تفسير دقيق لطبيعة العلاقات الصينية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة إلا في سياق واقع الصعود الصيني، فالولايات المتحدة تنظر للصعود الصيني على أنه عائق لها في مواجهة طموحها في الهيمنة على الشؤون العالمية، خصوصاً في سياق اختلاف رؤية كل منهما لطبيعة النظام الدولى، فبينما ترفض الصين فكرة الهيمنة الأمريكية على شؤون العالم وتؤكد على أن أي نظام عالمي لابد أن يقوم على مبدأ المساواة بين الدول كبيرها وصغيرها في العلاقات الدولية، نجد أن الولايات المتحدة تحاول عرقلة وتحجيم الدور الصيني العالمي من خلال الضغط المرن على الصين، مع الاتجاه للتعاون بين الطرفين انطلاقاً من فكرة الاحتياج الاستراتيجي(4).
وتؤكد تقارير المخابرات الأمريكية، بل وتتفق فيما بينها، على أن الصين ستكون المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة والأكثر قوة، إذ تمثل عدواً حقيقياً لأمريكا، وقبل أن تصل (كونداليزا رايس) - وزيرة الخارجية الأمريكية - إلى بكين في زيارتها الرسمية، ناشدت رايس بروكسل ألا ترفع الحظر المفروض على مبيعات السلاح لجمهورية الصين الشعبية، وتقول رايس: "إن الولايات المتحدة هي التي تحمي منطقة الباسفيك وليست أوروبا هي التي تحميها، ونحن الأمريكيون نجحنا في ضمان الاستقرار في منطقة الباسفيك لعشرات السنين، ومن هنا نركز اهتمامنا على تحقيق التنمية وتغيير لعبة التوازن الدولي"(5).
لماذا الانزعاج الأمريكي من النمو الصيني؟
جاء في التقرير السنوى للبنتاجون - الصادر في يوليو 2005م - حول حالة الجيش الصيني، ما أثار احتجاج معظم المسؤولين في الصين، حتى أنهم وصفوه بأنه معادٍ للصين، وقد رفض الرئيس "بوش" عرض هذا التقرير على الكونجرس حتى لا يسيء إلى العلاقات الأمريكية - الصينية المتوترة بالفعل، في الوقت الذي ينشد فيه البيت الأبيض مساندة بكين في حمل كوريا الشمالية على العودة إلى مائدة المفاوضات لبحث الملف النووي الكوري، حيث جاء في التقرير ما نصه: "إنه وبعد عشرين عاماً على النمو الاقتصادي القوي، تدخل الصين البازغة الآن مرحلة حاسمة يتحدد فيها مستقبلها ومستقبل الإنسانية كلها، وبينما وصلت المقدرة العسكرية للصين إلى مستوى تاريخي، وهي في تزايد مستمر، فنحن نجهل تماماً ما هي الخيارات الاستراتيجية للقادة الصينيين، وبسبب التحديث المستمر والسريع لجيش الصين، فإنه لا يمثل خطراً على جزيرة تايوان فقط، بل على الوحدات الأمريكية العسكرية المنتشرة في المحيط الهادي، وربما يتعدى تأثيره إلى دول أخرى في المنطقة مثل الهند واليابان، ومع هذا يسلِّم التقرير بأن البحرية الصينية لاتزال حتى الآن لا تمتلك حاملة طائرات واحدة أو طائرات قابلة للتزوّد بالوقود أثناء الطيران، الأمر الذي يمنعها من القتال في معارك تبعد كثيراً عن حدودها البرية البحرية"(6).
وتشعر واشنطن بانزعاج ملحوظ من فكرة أن تقع قواتها تحت نيران - أو حتى تهديد - من أسلحة أسهم في إنتاجها حلفاؤها في حلف الناتو، إذ إن نقل التكنولوجيا الأوروبية الحديثة سوف يزيد من مخاطر انتشار الأسلحة ويهدد بامتلاكها بشكل يتعذر معه السيطرة عليها، في الوقت الذي تخلت فيه روسيا عن القيود الحالية على مبيعات الأسلحة لبكين، ويلخص مسؤول أمريكي الأمر قائلاً: "إنه من غير المنطقي أن يجد جنودنا أنفسهم في مواجهة أسلحة حديثة مصنعة في أوروبا - وبخاصة "الميراج" و "رافال" التي تنتجها مؤسسة "داسو" للطيران - هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة لديها مبررات قوية تؤيد خطورة إصرار أوروبا على بيع أسلحة متطورة للصين، قد تؤثر على استقلال دول شرق آسيا، وخصوصاً فيما يتعلق بأمن اليابان وتايوان بعد تزايد اهتمام الصين بضم تايوان إليها".
فتش عن المصالح
وقد يخفي الخطاب الأمريكي الأخلاقي الرغبة في تحقيق مصالح اقتصادية، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: "من الذي سيستفيد في الواقع من استمرار حظر بيع الأسلحة للصين؟"، والجواب: إن استمرار الحظر يُفقد الاتحاد الأوروبي وضع الشريك الاستراتيجي الذي كسبه لدى بكين، علاوة على أنه قد يضعف موقف أوروبا كمنافس للشركات الأمريكية في السوق الصينية، بعد أن أصبحت أوروبا - منذ توسيع الاتحاد الأوروبي (25 دولة) - الشريك الاقتصادي الرئيس للصين، ثم يليها بفارق ضئيل اليابان والولايات المتحدة، ويتضح من هذه الإجابة أن الأمريكيين يميلون من جديد إلى استراتيجية الاحتواء لبكين التي يعتبرون تقدمها في المجال العسكري تهديداً لهم(7).
بكين وطوكيو وشكوك متبادلة
وتري اليابان أن الصين تمثل خطراً حقيقياً على أمنها وحقوقها السيادية، وذلك منذ أن بدأت الشركات الصينية التنقيب عن الغاز والبترول في قاع البحر في المنطقة المتنازع عليها بين بكين وطوكيو في بحر الصين الشرقي، ومنذ أن توغلت غواصة نووية صينية بشكل غير قانوني في المياه الإقليمية في نوفمبر الماضي.
وتعتبر الشكوك المتبادلة بين بكين وطوكيو قوية، كما أنها واضحة وملموسة، فكما أن بكين تراقب بحذر توسع دور قوة الدفاع اليابانية، وتخشى من التزايد المستمر للتحالف بين اليابان والولايات المتحدة، والذي يشمل كوريا الجنوبية، وترى فيه الصين مناورة لعزلها، فإن طوكيو في المقابل لم تعد تخجل من أن تعلن عن مخاوفها بشأن برامج تحديث القوات العسكرية الصينية. وخلال الزيارة التي قامت بها "كونداليزا رايس" مؤخراً لطوكيو، سئلت عن الداعي لوجود هذه الأعداد الضخمة من القوات الأمريكية في "أوكيناوا"، فأجابت: إنهم هناك لإيجاد توازن للقوة يتناسب مع القوات الصينية المتصاعدة.
الدعوة الأوروبية إلى رفع الحظر
هذا عن الموقف الأمريكي المتشدد والداعي إلى استمرار الحظر على بيع الأسلحة للصين والموقف الياباني القريب منه، فماذا عن الموقف الأوروبي؟
تقدمت فرنسا وألمانيا باقتراح يري ضرورة رفع الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على مبيعات الأسلحة إلى الصين بعد أحداث ميدان "تيان إن مين" العنيفة في عام 1989م، ولكن هناك أسباباً وجذوراً أكثر إثارة للجدول بالدرجة نفسها للمبادرة الفرنسية الألمانية، تتمثل في اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى إقامة علاقات استراتيجية مع الصين بشكل مستقل عن الصلات التي تربط أوروبا بالولايات المتحدة، ولقد لقيت هذه الجهود المستمرة ترحيباً حاراً - وإن كان مشروطاً - من بكين، بما يعكس رغبة كل من فرنسا والصين في إقامة عالم متعدد الأقطاب تصبح فيه الولايات المتحدة مجرد أحد مراكز القوى العالمية المتعددة، كما يؤكد الأوروبيون على أن إجراءات الوقاية الاختيارية للاتحاد الأوروبي سوف تستمر في وضع قيود على المبيعات الأوروبية. وعلى الرغم من مطالبة الأوروبيين المستمرة لإدارة بوش بالتشاور الحميم حول القضايا العالمية بين الطرفين، إلا أنهم أهملوا استشارة واشنطن حول مسألة رفع حظر بيع السلاح للصين، بينما يرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن بكين سوف تستفيد من خلافات طرفي الأطلسي حول العراق والحرب على الإرهاب في دق إسفين بين أوروبا والولايات المتحدة، كما أعربوا عن قلقهم من أن يسقط الأوروبيون في حبائل الصين(8).
تهديد أمريكي صريح للأوروبيين
تجدر الإشارة إلى أن المسؤولين الأمريكيين ألمحوا إلى أن الولايات المتحدة ستجعل من موقف الأوروبيين من مسألة رفع الحظر اختباراً حقيقياً للشراكة فيما وراء الأطلسي، بل إن بعضهم اعتبر موقف الأوروبيين بمثابة عمل عدواني موجه لهم، وأن الأوروبيين إذا أصروا على موقفهم المخالف للموقف الأمريكي فإن هذا يعني أنهم إنما يفضلون الصينيين على الأمريكيين، ولا يأخذون في اعتبارهم خطورة هذا القرار وعواقبه الاستراتيجية بالنسبة لتوازن القوى في آسيا ونتائجه على الشراكة الأوروبية فيما وراء الأطلسي.
ويري الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" أن إنهاء الحظر المفروض منذ عام 1989م مطلب مشروع، وأن رفع الحظر لا يستلزم إجراء تغييرات في عمليات تصدير الأسلحة أو التكنولوجيا الدقيقة للصين لأنها تخضع لقيود صارمة، بينما صرحت وزيرة الدفاع الفرنسية قائلة: "لقد وافقنا كلنا على إقامة الألعاب الأوليمبية رمز الحرية في بكين، وبذلك نكون قد أبرأنا الصين، وإن رفع الحظر لا يعني على الإطلاق زيادة الصادرت من الأسلحة للصين، وستتمسك فرنسا بسياستها الخاصة بالتقيد الشديد فيما يتعلق بتصدير الأسلحة التي تعد الأكثر تشدداً في الاتحاد الأوروبي، بل إنها قد تكون الأكثر صرامة في العالم"، وأما المستشار الألماني "جرهارد شرودر" فقد صرح بأن الصين اليوم ليست هي صين عام 1989م، ولذلك يتعين رفع الحظر(9).
وعلى الرغم من سريان الحظر، استطاعت فرنسا أن تبيع أسلحة للصين تحت مسمي: أسلحة غير قاتلة، مثل: القنابل المسيلة للدموع، وقطع غيار الدبابات، ومعدات لإطلاق الطائرات العمودية والرادارات العسكرية، وقد بلغت قيمة هذه المبيعات 9ر47 مليون يورو عام 2002م، و2ر24 مليون يورو عام 2003م، أما في عام 1999م فقد باعت فرنسا للصين معدات عسكرية بلغت قيمتها 126 مليون يورو(10).
بين الرفض والترحيب والوعد والوعيد
- على الرغم من جهود الأوروبيين لدحض الانتقادات الأمريكية، فإن واشنطن لا تزال ترفض المشروع كلية، كما شددت إدارة بوش من لهجتها مؤخراً، ولوحت باتخاذ إجراءات ضد أوروبا في مجال الصناعة رداً على مشروع رفع الحظر، وقد أدى هذا التشدد - مع اعتراضات اليابان - إلى زعزعة الاتفاق الذي توصل إليه الأوروبيون في ديسمبر 2004م، حيث كان الأوروبيون يأملون برفع الحظر فعلياً قبل 30 يونيو 2005م، خصوصاً وأنهم يرون أن المخاوف الأمريكية من التقدم العسكري الصيني لم يعد لها أساس، وأن رفع الحظر من جهة مؤيديه رمز للاستقلال السياسي لأوروبا.
- إذا كان الأوروبيون يعتقدون أن خمسة عشر عاماً من العقوبات تعتبر كافية، فهم لا يعتزمون أيضاً بيع أسلحة لبكين يكون من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة وتسهيل هجوم صيني على تايوان، وهم يتفقون جميعاً مع الولايات المتحدة على الفرق بين السلاح الدفاعي والسلاح الهجومي.
- من المؤكد أن إبقاء حظر بيع الأسلحة للصين ودفع أوروبا لأن تحذو حذو أمريكا، يعتبر رسالة مضمونها أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تهمل أو تتغاضى عن أي أسس استراتيجية تراها مهمة. ولكن ما يثير الدهشة بعد كل ذلك، هو التناقض غير المبرر فيما يختص بالسياسة الصارمة نحو الصين.
- الشيء المؤكد أن قيام أي مؤسسة أوروبية برفع الحظر وتسليم بكين معدات عسكرية سوف يعرضها لعمليات انتقامية أمريكية، وبخاصة إغلاق أسواقها، وهو رهان يتسم بالمخاطرة
المصادر
1- الهيرالدتربيون الدولية، 8-4-2005م.
2- السياسة الدولية، العدد 162.
3- الباييس الأسبانية، 5-3-2005م.
4- السياسة الدولية، العدد 157.
5- لاستامبا الايطالية، 12-3-2005م.
6- جين افريك الباريسية، 21-6-2005م.
7- لموند الفرنسية، 16-4-2005م.
8- الهيرالدتربيون الدولية، 15-7-2002م.
9- لموند الفرنسية، 14-3-2005م.
10- لوبوان الفرنسية، 25-2-2005م.