القمة والتضامن الإسلاميخادم الحرمين الشريفين شرّف حفل أهالي منطقتي مكة المكرمة والرياضسمو نائب رئيس الحرس الوطني المساعد للشؤون العسكرية يقلد الفريق الركن- ابن جوال رتبته الجديدةالفريق الأول الركن متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز يلتقي متدربي دورة الإرشاد لمرشدي الحرس الوطنيالمسلمون ومواجهة التحدياترفع الكفاءة وتحقيق للإبداعالمناهج السعودية في الحكم والسياسةسورية في دائرة الاستهدافخطة شارونالملف النووي الايرانيطائرات الحرب الالكترونيةاتجاهات تطويرالصواريخ الطوافةالتجسس التقني في ظل حرب المعلوماترفع الحظر عن بيع السلاح للصينتطوير فاعلية الدباباتمكافحة الاحتباس الحراريتطورات الملاحة اللاسلكية الفضائيةالعلاقات الباكستانية الإسرائيليةالشجاعة العسكريةنظرية إبن خلدون التعليمية وتطبيقها في المجتمعات العسكريةالجهود العلمية لمكافحة الغلو في المملكةالقدس قنبلة موقوتةالمصادقة على اتفاقية الأسلحة الكيميائية انعكاساتها الاستراتيجية والتكتيكيةالتكنولوجيا والثورة في الشؤون العسكريةالمؤتمر العالمي عن انفلونزا الطيورالحمى الشوكية عند الأطفالمخاطر التدخين على الأطفالالإيمانكلية الملك خالد العسكرية تحتفل باليوم الوطنيمفتي عام المملكة يلتقي منسوبي الكلية في هذا العدد
83 رقم العدد :
01/12/2005 تاريخ العدد :
تقارير
البحث في المجلة
بريد المجلة
تقارير
خليج جوانتنامو والحرب علي الارهاب
العميد- غيرارد ب. فوغارتي
(الجيش الاسترالي)
"تتمثل القضية الأساسية في أن من يدخل إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية، ويقدم على ارتكاب عمل إرهابي يؤدي إلى قتل آلاف الأمريكيين الأبرياء من رجال ونساء وأطفال، لا يعتبر مقاتلاً شرعياً، ولا يستحق أن يعامل كأسير حرب، بل ولا يستحق أن يتمتع بالضمانات والحماية نفسها التي يتمتع بها المواطن الأمريكي من خلال الإجراءات القضائية العادية، وسيُحاكم محاكمة عادلة، ولكنها ستكون بموجب إجراءات المحاكم العسكرية. ونعتقد أن ذلك سيضمن معاملة هؤلاء الأفراد المعاملة التي نعتقد أنهم يستحقونها" ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي 14 نوفمبر 2001م.

أدّت الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة فيما تُطلق عليه: (الحرب على الإرهاب) إلى احتجازها لما لا يقل عن (650) مواطناً من أكثر من (40) دولة في قاعدة بحرية عسكرية أمريكية في خليج غوانتناموا بكوبا. ورغم أن الولايات المتحدة تتمسّك بموقفها القائل إن هؤلاء الأسرى لن يعاملوا كأسرى حرب، وإنهم سيمثلون أمام محكمة عادلة بموجب الإجراءات العسكرية، فإن مشروعية هذا الادعاء مازالت تتعرّض لانتقادات عالمية، بل وتجد اهتماماً من المحكمة العليا الأمريكية، وفي حين يجد موقف الإدارة الأمريكية بعض المؤيدين البارزين، فإن كثيراً من الخبراء الدوليين يقفون موقفاً معارضاً له، وينتقده البعض انتقاداً لاذعاً، فقد أعلن مثلاً القاضي (ريتشارد غولدستون) رئيس هيئة الدفاع السابق في المحاكم الجنائية الدولية في يوغوسلافيا ورواندا في مقابلة أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في أواخر عام 2003م "سوف يضطر رئيس أمريكي في المستقبل للاعتذار عن غوانتنامو". وفي أوائل عام 2005م، أجمع عدد من السياسيين الأمريكيين جمهوريين وديمقراطيين على أن الوقت قد حان لإغلاق سجن غوانتنامو.
وتعدّ مسألة التعامل مع أسرى الحرب على الإرهاب مسألة بالغة التعقيد، ولا يقتصر أمرها على الانتقادات العالمية فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى انقسامات في الإدارة الأمريكية نفسها؛ فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرضت الإدارة الأمريكية إجراءات استثنائية بوضع نظام جديد في القضاء العسكري ليتلاءم مع نوع مختلف جداً من النزاعات، وعندما حاولت تطبيق تلك الإجراءات واجهتها جملة من المشاكل التي لم تتمكن حتى الآن من التوصُّل لحلول ناجعة لها. وتسعى هذه المقالة لتقويم الوضع القانوني للأسرى، فتتناول في البداية: أسباب اختيار خليج غوانتنامو لاحتجاز الأسرى، ثم تعرض الآراء المختلفة حول وضعهم القانوني، وما ينبغي توفيره من حماية للأسرى المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وتناقش المقالة أيضاً ما تحدثه سياسة الإدارة الأمريكية في خليج غوانتنامو من تأثيرات على ما تسميه الحرب على الإرهاب.

أسباب اختيار خليج غوانتنامو


شنَّت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها حرباً على تنظيم القاعدة وأعضائه في أفغانستان وفي مناطق أخرى من العالم، ونظراً لأن الولايات المتحدة تتهم (أسامة بن لادن) بشنّ هجمات إرهابية على الولايات المتحدة، وبقتل آلاف الضحايا من الأمريكيين وجنسيات أخرى، فقد أعلنت أن قانون النزاع المسلح هو الذي يحكم ما تسميه: "الحرب بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة"، ولذلك فقد سنَّت قوانينها الخاصة باحتجاز مقاتلي العدو. ورغم أن الكونجرس الأمريكي لم يعلن الحرب رسمياً، إلاّ أن الرئيس الأمريكي أجاز احتجاز ومعاملة ومحاكمة غير الأمريكيين من أسرى الحرب على الإرهاب وفق "قانون عسكري" مستمد من صلاحياته الدستورية بوصفه رئيساً وقائداً عاماً للقوات العسكرية الأمريكية، وذلك حسب قوله: "من أجل حماية الدولة ومواطنيها، ومن أجل القيام بعمليات عسكرية فعّالة تعمل على منع وقوع هجمات إرهابية أخري، تعلن الإدارة الأمريكية عن ضرورة احتجاز أفراد بعينهم لمنعهم من مواصلة القتال، ومن ثم محاكمة منتهكي قوانين الحرب".
ويفيد تقرير مصنّف أعده محامو وزارة الدفاع الأمريكية لوزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) عام 2003م، وتم تسريبه لاحقاً، عن أسباب اختيار خليج غوانتنامو كمكان لاحتجاز أسرى الحرب على الإرهاب، إلى أن خليج غوانتنامو يعطي الإدارة الأمريكية مزايا قانونية معينة بوقوعه خارج صلاحيات المحاكم الأمريكية. وتتمثل هذه المزايا بصفة أساسية في: عدم عرض حقوق المحتجزين أمام تلك المحاكم، واستخدام أساليب استجواب معينة لا يقرّها القانون الأمريكي.
وقد ربط بعض النقّاد بين أساليب الاستجواب المستخدمة في غوانتنامو، والتي أقرّها وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) والتي تتضمن: "الإفراط في إثارة الخوف في نفوس المحتجزين" وبين الانتهاكات التي تم كشفها عام 2003م في سجن أبي غريب في العراق. ورغم رفض الإدارة الأمريكية الربط بين الأمرين، إلاّ أن تحريات فضيحة أبي غريب قد كشفت أن بعض الأساليب غير القانونية المستخدمة في غوانتنامو قد استخدمت أيضاً في أبي غريب.
وقد حاولت الإدارة الأمريكية دون جدوى الدفاع أمام المحاكم العليا الأمريكية عام 2004م عن موقفها من أن خليج غوانتنامو يقع خارج صلاحيات المحاكم الأمريكية، وأصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً يقضي بإمكانية تقديم المحتجزين لدعوى في المحكمة الفيدرالية الأمريكية لعدم صدور أمر قضائي باحتجازهم، ويعني ذلك الحكم أن المحتجزين الأجانب لهم الحق في رفع دعوى أمام المحاكم الأمريكية حول شرعية إيداعهم السجون، رغم كونهم محتجزين خارج حدود الدولة، ويمكن أن يكون هذا الحكم الذي أصدرته المحكمة أساساً لرفع دعاوى أمام محاكم أمريكية أخرى. ويقول كثير من النقّاد: إن هناك عدداً من السجون التي تديرها الولايات المتحدة في أفغانستان وغيرها، إلاّ أن غوانتنامو قد اكتسب شهرة أوسع.

مقاتلون أم غير مقاتلين؟


تزعم الولايات المتحدة أن المحتجزين ليسوا مقاتلين شرعيين وفق ما تنص عليه اتفاقيات جنيف لعام 1949م، ولذلك تعتبرهم مقاتلين غير شرعيين لا ينطبق عليهم وضع أسرى الحرب، ولا يتمتعون بحقوق أخرى نصّت عليها اتفاقيات جنيف، ولم يعامل المتجزون كجناة عاديين لكي يحاكموا في محاكم مدنية، كما سبق وأن عُومل إرهابيون في الولايات المتحدة، وإنما عُوملوا كأفراد في قوة عسكرية القاعدة أو طالبان وكمقاتلين في نزاع مسلّح ضد الولايات المتحدة، وقد علَّق وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) بقوله: "لم يُطلق على المحتجزين مسمى أسرى حرب، لأنهم لم يشتبكوا في حرب وفق مفهوم اتفاقيات جنيف فقد أخفوا أسلحتهم ولم يرتدوا زياً رسمياً وحاولوا الخلط بين كونهم مقاتلين أو غير مقاتلين".
ولم تميِّز الإدارة الأمريكية بين أعضاء تنظيم القاعدة وبين مقاتلي طالبان من منطلق أن المحتجزين مقاتلون غير شرعيين، وعلاوة على ذلك فقد أعلنت منذ عام 2002م أنه لا يساورها شك في وضع كل فرد من المحتجزين، كما أعلنت أنه بموجب قانون النزاع المسلح يمكن احتجاز الأسرى في خليج غوانتنامو حتى نهاية الحرب على الإرهاب دون اتخاذ إجراءات بمحاكمتهم، وبناء على ذلك، فقد ظل الأسرى محتجزين في غوانتنامو منذ شهر يناير 2002م دون توجيه تهم بحقهم، أو تعيين محامين للدفاع عنهم، أو حق الطعن في شرعية احتجازهم حتى تدخلت المحكمة العليا مؤخراً.
وفي شهر يونيو 2004م أعلنت الإدارة الأمريكية عن إطلاق سراح (26) أسيراً، بعد أن خلصت مراجعة قانونية داخلية أجراها محامو البنتاجون في خليج غوانتنامو إلى أنهم قد احتُجزوا بالخطأ. ولم يكن توقيت هذا الإعلان مواتياً للإدارة الأمريكية لأنه سبق جلسة المحكمة العليا بوقت وجيز، وأصرّت فيها الإدارة على أن حالة كل أسير قد تمت مراجعتها بدقة، وانبرى النقّاد للدفاع عن هذه الحقيقة متهمين الإدارة الأمريكية بإطلاق سراح بعض السجناء قبيل جلسة المحكمة العليا، في محاولة لإيهام المحكمة بأنها قامت بتدقيق حالة كل واحد من الأسرى، كما أعلنت الإدارة الأمريكية لاحقاً أنها ما فتئت تدقق في أوضاع المحتجزين قبل تقديمهم للمحاكمة. ورغم عدم التيقُّن من النوايا الحقيقية من وراء المراجعة الداخلية التي أُجريت في أوائل عام 2004م، إلاّ أن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه بعد أن أصدرت المحكمة العليا حكمها في شهر يونيو 2004م أصبحت الإدارة الأمريكية ملزمة حالياً بمراجعة حالة كل واحد من الأسرى.
وقد أعلنت الإدارة الأمريكية أنه على الرغم من إصرارها على أن الأسرى مقاتلون غير شرعيين، إلاّ أنها ظلّت تعاملهم معاملة إنسانية في كافة الأوقات، وتقدم لهم امتيازات مماثلة لتلك المخوّلة لأسرى الحرب بموجب اتفاقيات جنيف. ولعل أهم مجالات الاختلاف بين كيفية معاملة المقاتلين غير الشرعيين ومعاملة أسرى الحرب يكمن في طريقة استجوابهم والحماية القانونية الممنوحة لهم؛ فاتفاقيات جنيف تمنع عدة أنواع من طرق الاستجواب التي أجازتها الإدارة الأمريكية لاستجواب أسرى غوانتنامو، وتطالب بمستوى أعلى من الحماية التي تزمع الإدارة الأمريكية منحها للأسرى المتهمين بارتكاب جرائم حرب، ويحتّم وضع أسرى الحرب اتباع الإجراءات القانونية نفسها التي يتمتع بها الجندي الأمريكي عند مثوله أمام المحاكم العسكرية.

وجهات النظر المعارضة


أفاد تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أنه في الأيام التالية لإصرار الرئيس الأمريكي على عدم نيّته تطبيق اتفاقيات جنيف على أسرى غوانتنامو، طلب منه (كولن باول) الذي كان وقتها وزيراً للخارجية إعادة النظر في إمكانية معاملة مقاتلي طالبان كأسرى حرب، وأيّده في ذلك كل من: وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد)، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال (ريتشارد مايرز)، إذ يعتقد وزير الخارجية (كولن باول) ولفيف من النقّاد أن مقاتلي طالبان الذين كانوا من منسوبي القوات المسلحة في حكومة طالبان ينطبق عليهم وضع أسرى الحرب الذي نصّت عليه اتفاقيات جنيف. وكان ما يؤرق بال الوزير (كولن باول) على وجه الخصوص، هو المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تتعرّض لها القوات الأمريكية في أفغانستان وفي غيرها من النزاعات المستقبلية إن لم تلقِ بالاً لتطبيق اتفاقيات جنيف، فضلاً عن أن وضع أسرى الحرب سيمنحهم حق المعاملة الإنسانية أثناء استجوابهم، وحقوق إجرائية أخرى لتلك التي تمنحها الإدارة الأمريكية لأفرادها العسكريين.
ويشارك (كولن باول) في وجهة نظره حيال وضع أسرى مقاتلي طالبان عديد من الخبراء الأمريكيين والعالميين، من بينهم خبراء قانونيين في الأمم المتحدة، كما يطالب هؤلاء النقّاد باعتبار كافة أسرى تنظيم القاعدة ممن كانوا يعملون كميليشيات أو متطوعين ضمن القوات المسلحة لطالبان أسرى حرب. وعلاوة على ذلك، يرون أنه حتى في حالة عدم اعتبار أعضاء تنظيم القاعدة أفراداً في القوات المسلحة لطالبان ينبغي اعتبارهم أسرى حرب وفق ما نصّت عليه اتفاقيات جنيف. ويقول النقّاد إن اتفاقيات جنيف والأنظمة العسكرية الأمريكية التي كانت سارية قبل 11 سبتمبر تنص على صدور حكم قضائي قبل تجريد الأسرى من وضعهم كأسرى حرب. وقد شكَّلت الإدارة الأمريكية تلك المحاكم كما أوضحنا آنفاً ولكنها برئاسة قاضي منطقة فيدرالي، وذلك لا يكفي لرفض منح المحتجزين وضع أسرى الحرب.

الحماية القانونية


أعلنت الإدارة الأمريكية أنه في ظروف الحرب الحالية على الإرهاب لا ينبغي أن تعيق المثل الأمريكية المدنية ما يتخذ من إجراءات دفاعية فعّالة، فمثلاً للتغلُّب على نواحي القصور في القانون الجنائي الأمريكي ولمجاراة مقولة وضع الأسرى كمقاتلين غير شرعيين، شكَّلت الإدارة الأمريكية لجاناً عسكرية لمحاكمتهم، واللجان العسكرية هي نوع من المحاكم العسكرية الأمريكية التي استُخدمت آخر مرة بعد الحرب العالمية الثانية لمحاكمة الجواسيس والمخرِّبين ومجرمي الحرب، وهذه الللجان مخوَّلة فقط بمحاكمة متهمين غير أمريكيين وتعمل على حماية حقوقهم، والمحافظة على المعلومات المصنَّفة والحسَّاسة التي استخدمت كأداة أثناء المرافعات. وقد أشارت الإدارة الأمريكية إلى أن المحاكم العسكرية مُعترف بها ضمن اتفاقيات جنيف واستخدمتها عدة دول في السابق. وجمهورية مصر العربية من بين الدول التي استخدمت المحاكم العسكرية، ولكن عندما استخدمتها عام 2000م تعرَّضت لانتقادات لاذعة من جانب وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي عن انتهاكات حقوق الإنسان، وشدَّد ذلك التقرير الذي ناقشه الكونجرس الأمريكي على أن ذلك النوع من المحاكمات العسكرية قد حرم مئات المدنيين من حقوقهم الدستورية.
وقد برعت فئة من صغار المحامين الذين تولّوا مناصب مهمة في البيت الأبيض، ووزارة العدل، وجهات حكومية أخري بعد أحداث 11 سبتمبر في ابتكار نظام عدلي مراوغ بحق المتهمين بارتكاب جرائم حرب بتوجيهات من نائب الرئيس الأمريكي (تشيني)، بتنسيق من مستشار البيت الأبيض سابقاً (البيرتو غونزاليز) الذي تمت ترقيته منذ ذلك الوقت لوظيفة النائب العام. وقد بدأ ذلك العمل بعد أحداث 11 سبتمبر بوقت قليل، وكانت فكرة تشكيل محاكم عسكرية قد تمت مناقشتها قبل عقد من الزمن كخيار من الخيارات المطروحة في ذلك الوقت لمحاكمة متهمي تفجيرات طائرة "بان أمريكان" رقم 103 في أجواء "لوكربي" باسكتلندة، فكانت الخيارات المطروحة هي: تشكيل لجان عسكرية، أو محاكم جنائية، أو محاكم عسكرية، أو محاكم خاصة تضم مدنيين وعسكريين على غرار محاكمات (نورنبيرغ).
وبحلول شهر أكتوبر 2001م ضاق محامو البيت الأبيض ذرعاً بمراوغات الجهات الحكومية، وتولّوا المهمهة بأنفسهم. وأفادت التقارير أنه في تلك المرحلة استبعدت كافة الخيارات الأخرى وتم التركيز على تشكيل لجان عسكرية، ولكن تم استبعاد كافة الجهات الأخرى من المناقشات بمافي ذلك وزارة الدفاع وطُرحت الأسس القانونية التي تستند عليها الإدارة الأمريكية في مذكرة سرِّية أرسلها مكتب النائب العام بتاريخ 6 نوفمبر 2001م، إلى السيد (غونزاليز)، ورفض النائب العام (جون آشكروف) لاحقاً مطالب بعض أعضاء الكونجرس تزويدهم بنسخة من تلك الوثيقة، ولكن مضمونها تسرَّب ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز". وقد نصَّت المذكرة على أن للرئيس بوصفه القائد الأعلى صلاحية تشكيل محاكم عسكرية دون تفويض من الكونجرس، كما يمكن للإدارة تطبيق القانون الدولي بفعالية، وأوضحت المذكرة السوابق القانونية التي لا تقع بموجبها الحماية القانونية ضمن اختصاص المحاكم العسكرية.
وتحرَّكت الإدارة الأمريكية بسرعة بعد حصولها على توصية من النائب العام لنشر الأمر العسكري الرئاسي المتعلق "باحتجاز ومعاملة ومحاكمة عدد من الأسرى غير الأمريكيين في الحرب ضد الإرهاب" في يوم 13 نوفمبر 2001م، أي بعد أسبوع واحد من المذكرة السرّية التي أصدرها مكتب النائب العام، ولم يكن معظم خبرا القضاء العسكري في البنتاجون على علم بذلك الأمر الرئاسي إلاّ قبل يوم واحد من صدوره، ولم يتضمن الأمر بعد صدوره أياً من التعديلات التي أعدّوها على عجل، كما أفادت التقارير أن كبار موظفي مجلس الأمن الوطني ووزارة الخارجية تم استثناؤهم من المناقشات النهائية حول الأمر الرئاسي العسكري، ولم يعلم مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية به إلاّ بعد صدوره.
وعندما استخدمت الولايات المتحدة المحاكم العسكرية آخر مرة في الحرب العالمية الثانية، جرى تشكيل تلك المحاكم بصفة عامة وفق المعايير المنصوص عليها في القضاء العسكري، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر لم تبد الإدارة الأمريكية مبرراً لابتعادها نصاً وروحاً عن القواعد السارية في القضاء العسكري، وابتكرت لنفسها قانوناً تطبقه في المحاكم العسكرية. وقدَّمت الإدارة الأمريكية الخطوط العريضة لمنهجها الجديد الذي لا يتيح مجالاً واسعاً لتقديم الأدلة، ويتضمن عدداً كبيراً من المواد المتعلقة بالسرِّية، ويتساهل في تطبيق عقوبة الإعدام، ولا يسمح بإعادة النظر في الأحكام القضائية الصادرة، وتم تكليف وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) بوضع تفاصيل تلك القوانين لاحقاً. وسرعان ما وُجِّهت الانتقادات للأمر الرئاسي من خارج الإدارة وداخلها، وأفادت التقارير أن محامي البنتاجون أيّدوا تشكيل المحاكم العسكرية، ولكنهم طالبوا بإجراء تعديلات على النظام حتى يكون عادلاً. وفي النهاية، عندما تم نشر قوانين المحاكم العسكرية، اتضح أن (دونالد رامسفيلد) قد أخذ توصياتهم في الحسبان وأجرى بعض التعديلات عليها، ومنح المتهمين حق البراءة حتى تثبت إدانتهم، ولكنه لم يسمح للمحاكم المدنية بإجراء مراجعة قانونية للقضايا.
وفي الثالث من شهر يوليو 2003م، مثل ستة متهمين للمحاكمة، من بينهم بريطانيين، ونشرت أخبار محاكمتهم في بريطانيا بعد أن بدأ رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) حملته الدعائية للتغلُّب على الآراء المعارضة للحرب على الإرهاب، وأعلن (بلير) تحت ضغط مجلس النواب البريطاني أن محاكمة الرعايا البريطانيين سوف تخضع للقانون الدولي، ويطالب النواب البريطانيون (توني بلير) بتأمين الحماية لتسعة متهمين بريطانيين في غوانتنامو. وبدأت سلسلة من المفاوضات بشأن اتخاذ إجراءات مقبولة لمحاكمة المتهمين البريطانيين، وتمسّك النائب العالم البريطاني (اللورد بيتر غولدسميث) بمراجعة المحاكم المدنية للأحكام التي تصدرها المحاكم العسكرية كشرط أساسي، ولكن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن مثل ذلك الإجراء سيعيق سير عمل المحاكم العسكرية. وأثناء زيارته لبريطانيا في أواخر شهر نوفمبر 2003م، وافق الرئيس الأمريكي (بوش) على تأجيل محاكمة المتهمين البريطانيين، ولكن لم يتضح بعد عدد المتهمين الذين سيمثلون في نهاية المطاف أمام محاكم عسكرية، وأوضحت الإدارة الأمريكية أن معظم الأسرى لن يمثلوا أمام محاكم وسوف يُطلق سراحهم بعد زوال تهديدهم وانتهاء الحرب على الإرهاب.
وعندما عزمت الإدارة الأمريكية على انتقاء عدد من الأسرى للمثول أمام محاكم عسكرية، وجدت انتقاداً على نطاق واسع، فقد أعلنت إسبانيا مثلاً أنها لن تقوم بترحيل عدد من المتهمين في قضايا إرهابية إلى الولايات المتحدة إن كانوا سيقدمون إلى محاكمة عسكرية. وينظر البعض إلى المحاكم العسكرية بوصفها عدالة من الدرجة الثانية، ويرون أنها تمارس نوعاً من التمييز لأنها لا تنطبق على المواطنين الأمريكيين، ولا تتيح مستوى جيداً من تقديم الأدلة كما هو مُتاح في المحاكم العادية، وليس فيها مجال لتقديم استئناف لمحاكم مستقلة، وتفتقر للاستقلالية من السلطة التنفيذية. و قد نشرت مجلة Army Lawyer مقالة في شهر نوفمبر 2003م توضح رؤية محامي عسكري متقاعد، أشار فيها إلى عدم التزام المحاكم العسكرية بالممارسة العسكرية المألوفة، وفشلها في توفير مستوى العدالة والحماية المتوقعة من المحاكم الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.

النتائج المترتبة على نهج الإدارة الأمريكية


خلال الثلاث سنوات الماضية انصبَّ تركيز الإدارة الأمريكية على الفوائد التي تجنيها من أعمالها في خليج غوانتنامو، ولم تُلقِ بالاً لما يولّده ذلك من مشاكل، مثل: سخط حلفائها، وتغيير صورة أمريكا في العالم، وعدم تعاون الدول معها في حربها على الإرهاب؛ فالإدارة الأمريكية تعتقد أن استجواب الأسرى قد ساعد في تحسين أمن الولايات المتحدة وحلفائها بتوسيع فهمهم لتنظيم القاعدة وأعضائه، لأن المعلومات المستقاة من الأسرى تساعد على إحباط الهجمات التي يخطط تنظيم القاعدة لشنِّها في العالم، كما كشفت عمليات الاستجواب عن الهيكل القيادي لتنظيم القاعدة، وآليات تمويله، واتصالاته، وخططه الرامية لمهاجمة الولايات المتحدة ودول أخرى. وقد أعلنت الولايات المتحدة أن أسرى غوانتنامو قد وفَّروا لها معلومات استخبارية ثمينة تضمّنت: معلومات عن الأفراد ذوي الصلة بجهود تنظيم القاعدة، للحصول على أسلحة الدمار الشامل، وشركات الواجهة والحسابات المصرفية، ومعلومات عن الصواريخ أرض جو، والمتفجرات، وتكتيكات وتدريبات تنظيم القاعدة، ومعلومات تفصيلية عن الطرق التي يسلكها أعضاء تنظيم القاعدة في تنقلاتهم وأسفارهم للوصول إلى الولايات المتحدة عن طريق أمريكا الجنوبية.
وتقول الإدارة الأمريكية إن احتجاز مقاتلي العدو أثناء النزاع ليس نوعاً من العقاب، وإنما هو أمر اقتضته ضرورات الأمن الوطني والعمليات العسكرية. وتكتسب المعلومات التي يتم استخلاصها من الأسرى أهمية بالغة في الحرب على الإرهاب، وتساعد الولايات المتحدة وحلفاؤها في تخطيط عملياتها لمكافحة الإرهاب، وفي جمع المعلومات عن مصادر تمويل تنظيم القاعدة وناشطي تلك الشبكة. ولعل أعظم فوائد استجواب أسرى غوانتنامو تتمثل في: فهم الولايات المتحدة دوافع المجاهدين وعمليات اختيارهم وتدريبهم، وتساهم مثل هذه المعلومات في القضاء على جذور الإرهاب، ويعدّ ذلك بمثابة المفتاح الرئيس لكسب الحرب على الإرهاب، ولكن هل تعادل هذه المكاسب ما يتولَّد من مشاكل جراء احتجاز الأسرى؟
في شهر مارس 2004م، أشار تقرير صادر عن مركز "بيو" للأبحاث إلى تدنِّي مكانة الولايات المتحدة في المجتمع الدولي بصورة ملحوظة، وكان هذا التقرير قد نشر قبل كشف أحداث أبي غريب، وأيّدت دراسات عالمية أخرى نتائج هذه الدراسة. وتوصَّل مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي عام 2003م إلى أن من بين ما يتعيّن على إدارة الرئيس (بوش) فعله من أجل تقليل التوجُّهات المناهضة للأمركة، هو تحسين قدرتها على الاستماع لآراء الجمهور الأجنبي. ومن الواضح أن المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والأكاديميين في الولايات المتحدة يعتقدون أن الإدارة الأمريكية تتجاهل القانون الدولي في معاملتها للأسرى. وقد شبَّه أحد كتّاب الأعمدة في كولمبيا معتقل غوانتنامو بسجن "غولاغ" وهو من أسوأ السجون في الاتحاد السوفيتي السابق.
ولا تختلف المحاكم العسكرية التي تشكَّلت بأمر من الرئيس (بوش) عن المحاكم العسكرية الأخرى التي أدانتها الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم. وفي العصر الحالي دأبت وسائل الإعلام على تسليط الأضواء على مثل هذه التناقضات وتقويمها وبثّها بصورة متكررة في كافة أنحاء العالم، ومن شأن هذه المكاييل المزدوجة حرمان الولايات المتحدة من المكانة الأخلاقية السامية التي ينبغي أن تكون عليها لكي تنتقد الدول الأخرى في المستقبل على انتهاكها لحقوق الإنسان، ومن شأنها أيضاً وضع الإدارة الأمريكية على المحك مع القيم الأمريكية وفقدانها لشعبيتها، وبالتالي فقدانها لتأييد الرأي العام في حربها الطويلة على الإرهاب. وعلاوة على ذلك، فإن معاملة أسرى الحرب في غوانتنامو سوف يفقد الإدارة الأمريكية مقدرتها على توسيع جهودها الدولية في مكافحة الإرهاب، لأن عديداً من الدول تعتبر معتقل غوانتنامو نموذجاً لكيفية خوض الحرب على الإرهاب، ولا ترغب شعوب تلك الدول في رؤية الأسرى مقيدين بالأصفاد، أو سماعهم لأنباء عن خرق القانون الدولي. وحتى حكومات الدول التي أيّدت الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب تتعرَّض للضغوط من شعوبها جراء النهج الأمريكي في التعامل مع أسرى الحرب على الإرهاب؛ ففي استراليا والمملكة المتحدة مثلاً تعالت الأصوات مطالبة بالانسحاب من التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة، لأن شريحة واسعة من مواطنيها ترى في معاملة الولايات المتحدة للأسرى مخالفة للمبادئ التي يعمل التحالف على إرسائها.

الطريق البديل


إن ما تقوم به الإدارة الأمريكية من تدقيق في قضايا المتهمين بعد الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في يونيو 2004م قد اعتبر حالياً غير كافٍ، وينبغي تعديله حتى يمكن تحديد الوضع القانوني للمحتجزين كأسرى حرب، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تمضي قدماً بلجانها العسكرية قبل تعديلها لقانونها الخاص بمحاكم تدقيق الوضع القانوني للمقاتلين. وفي حال أن قرّرت المحكمة المعدلة منح المحتجزين الوضع القانوني كأسرى حرب، فإن اتفاقيات جنيف تُلزم كما أوضحنا آنفاً بتوفير قدر أكبر من الحماية القانونية لأسرى الحرب يفوق ما تكفله لهم اللجان العسكرية. وفي ظل نظرة إدارة (بوش) لقضية أسرى الحرب، فمن المرجح أن تقرر المحكمة المعدلة رسمياً في الوقت المناسب رفض منح المحتجزين الوضع القانوني كأسرى حرب وتسير قدماً بلجانها العسكرية، ولكن من الواضح أن ما تتوصل إليه اللجان العسكرية من نتائج لن يحظى بمصداقية عالم تساوره الشكوك أصلاً في عمليات احتجاز أسرى غوانتنامو، ولن يتسنى للولايات المتحدة استعادة مكانتها إلاّ بإعادة النظر في ما توصّلت إليه اللجنة العسكرية السابقة من خيارات وتدويل المحاكمات.
وكما أوضحنا آنفاً، فإن اللجنة الحكومية السابقة قد طرحت أربعة خيارات، هي: اللجان العسكرية، والمحاكم الجنائية، والمحاكم العسكرية، ومحاكم خاصة تضم قضاة مدنيين وعسكريين؛ فالمحاكم الجنائية لن تتيح مجالاً كافياً دون تشديد الكونجرس للقوانين والتأثير على المحاكم. وكان من الممكن اللجوء لهذا الاختيار في أوائل عام 2002م، عندماكانت وزارة العدل مؤيدة له، ولكن فات أوانه حالياً بعد أن قضى الأسرى ثلاث سنوات في السجن، أما المحاكم العسكرية فتكفل بعض المزايا التي منها، أولاً: ستحمي الإدارة الأمريكية من تغوُّل جهات قانونية محلية وعالمية على المحاكمات نفسها، لأنها ستعمل وفق المستويات الحالية للحقوق الأساسية التي تكفلها القوانين العرفية وتلك المنصوص عليها؛ ثانياً: أن المحاكم العسكرية ستمنح الإدارة الأمريكية ميزة حماية الوثائق الحسّاسة التي تُعرض أثناء سير المحاكمة. إلاّ أن من أهم عيوب المحاكم العسكرية أن المجتمع الدولي سوف تساوره الشكوك حول ما تتوصل إليه من نتائج، لأن الإدارة الأمريكية قد أوجدت نوعاً من الغموض القانوني بشأن الأسرى خلال العامين الماضيين.
وهكذا يتبقى الخيار الأخير المتمثل في المحاكم الخاصة؛ فقد شكّلت الأمم المتحدة في السابق محاكم خاصة للنظر في تهم تتعلق بارتكاب بعض الأفراد لجرائم حرب، منحتها صلاحية الفصل في جرائم معينة في فترات زمنية محددة، ولكن ترك أمر المحاكمات للأمم المتحدة لا يخلو من مخاطر، وربما يتضح في نهاية المطاف أنه غير مُواتٍ لأي إدارة من الإدارات الأمريكية من الناحية السياسية. ولعل الخيار الأنسب سياسياً هو تشكيل محكمة أمريكية بتفويض من الأمم المتحدة على غرار المحاكم الخاصة التي تم تشكيلها عام 2000م لمحاكمة مجرمي الحرب في (سيراليون)، و (تيمور الشرقية)، حيث تشاركت الحكومات المعنية والأمم المتحدة في تشكيل تلك المحاكم التي منحت صلاحيات لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم حرب، وجرائم حرب ضد الإنسانية، وانتهاكات خطيرة أخرى للقوانين الإنسانية الدولية، فكانت تلك المحاكم هيئات دولية ولكن أعضاءها من الدول المعنية.
وفي هذه الحالة ستُشكَّل المحكمة بموجب قانون خاص توافق عليه كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ويمكن أن يتضمن ذلك القانون شرطاً بالموازنة بين القضاة والمحامين المدنيين والعسكريين من جانب، والأمريكيين والدوليين من جانب آخر. ومن المزايا المهمة التي تكسبها الولايات المتحدة من هذا النوع من المحاكم الخاصة، أنها ستكون لها سيطرة أكبر، وتضفي على سير المحاكمات ما درج عليه القضاة والمحامون الأمريكيون؛ ومن شأن ذلك أيضاً إضفاء شكل من أشكال الشرعية القضائية بالنسبة للمجتمع الدولي، ويساهم في الجهود الحالية في الحرب ضد الإرهاب، ويقدّم رسالة مهمة للمجتمع الدولي مفادها أن الولايات المتحدة تؤمن بالشرعية الجماعية ولا تعمل بمفردها، وبالدور الكبير الذي يلعبه مجلس الأمن في العلاقات الدولية، ويخفِّف من وطأة الضغوط التي يتعرض لها عديد من الحكومات من مواطنيها. ولعل أعظم فائدة تجنيها الولايات المتحدة هي استعادتها لمصداقيتها التي هي في أمس الحاجة إليها، وبالتالي تقليل التوجُّهات المناهضة للأمركة، وسوف تؤدي الشرعية الدولية لإتاحة مجال أكبر للدبلوماسية الأمريكية لتعزيز التعاون الدولي الذي لا غنى عنه لكسب الحرب العالمية ضد الإرهاب.

الخاتمة


تحاول إدارة (بوش) في دعوى الحرب على الإرهاب التمييز بين الحريات المدنية والأمن العام؛ فيتمثّل موقفها الرسمي في أن محتَجزي غوانتنامو مقاتلون غير شرعيين، ولا ينطبق عليهم وضع أسرى الحرب، وأنهم يعاملون بموجب القانون، ولكن معاملة الإدارة الأمريكية لأسرى غوانتنامو كمقاتلين غير شرعيين وما تكفله لهم من حماية قانونية يعرِّضها لنقد لاذع من جهات محلية ودولية، من بينها منظمات لحقوق الإنسان، وأكاديميون في الولايات المتحدة، حيث يقول أصحاب هذه الأصوات: إن الإدارة الأمريكية تتجاهل القانون الدولي في معاملتها للمحتجزين، كما أصدرت المحكمة الأمريكية العليا ومحكمة فيدرالية لاحقاً أحكاماً عرقلت محاولات الإدارة الأمريكية انتقاء حقوق الإنسان في رد فعلها على أحداث 11 سبتمبر.
وعلاوة على تأثير سياسة الإدارة الأمريكية في غوانتنامو على سيادة حكم القانون، فإن ذلك تترتب عليه جملة من العواقب الوخيمة الأخرى، من بينها: صبّ الزيت على نار النزعة المناهضة للأمركة، مما يضعف نفوذ الولايات المتحدة وفعاليته، وفقدان الإدارة الأمريكية لتأييد قاعدتها الشعبية، وحرمان الولايات المتحدة من مكانتها الدولية التي تحتاجها لتعزيز حقوق الإنسان في المستقبل. ومن الواضح أن هذه الخسائر لا تعادل ما تجنيه الولايات المتحدة من فوائد جراء احتجازها للأسرى، وبناء عليه، ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تعجِّل في تعديل منهجها.
ويمكن للولايات المتحدة استعادة مكانتها الدولية بتعديل محاكم مراجعة الوضع القانوني، حتى تتمكن من تحديد الوضع القانوني للمحتجزين كأسرى حرب، ومن ثم تدويل محاكمة المتهمين، وسيضفي ذلك نوعاً من الشرعية القضائية على المحاكمات في الأوساط الدولية، ويقلِّل من التوجُّهات المناهضة لأمريكا والتي تؤثر على تحالف الحرب على الإرهاب. ولا تقتصر المطالبة بهذا الأمر لكونه الإجراء السليم فقط، وإنما لأن مردوده يعود بالنفع على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في المستقبل أيضاً. ومن الأفضل للولايات المتحدة في محاولتها إعادة تعريف الحدود الفاصلة بين الحريات المدنية والأمن العام أن تجد لها عبرة في مقولة (بنجامين فرانكلين) قبل قرنين من الزمان في أوقات عسرة أخرى: "إن من يتخلّون عن الحريات الأساسية من أجل مكاسب أمنية عابرة، لا يستحقون حرية ولا أمناً"
Parameters, Autumn 2005

لطباعة المقال لإرسال المقال لصديق