بالرغم من أن نظرية ابن خلدون متعددة الجوانب، جمّة الفوائد، فإنه يغدو حتماً على الكاتب أن ينهي ما يريد، فالغرض الأساس لم يكن إلاّ الإشارة إلى ما لدى ابن خلدون من وقفات يمكن توظيفها في زمننا الحاضر. وعليه فإن هذه الحلقة هي خاتمة الحلقات الستّ، التي انصبّت في مجملها على كيفية تكوين المَلَكة لدى المتعلّم، وتحسينها، ثم تجويدها.
من السهل إلى الصعب
نجد أن التدرّج من صنف البسيط إلى الصنف المركب لا يغني عن ممارسة التدرّج ذاته ضمن محتوى المادة العلمية لمقرر بعينه، إذ ينبغي على المعلم أن يبدأ في المسائل العلمية بأبسطها صورة، وأقربها إلى ذهن المتلقّي، ومن يُجانب هذه الطريقة فقد جانب جادّة الصواب في حقل التعليم، فالذهن مُغلق دون بعض المسائل والعلوم، والسبيل إلى فتحه هو البدء بأبسطها. وليس أدلّ على نتيجة ذلك مما ينقله ابن خلدون من تجاربه ومشاهداته في عصره بقوله: "وقد شاهدنا كثيراً من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا، يجهلون طرق التعليم وإفادته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه، ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله، فيخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها؛ فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجياً. ويكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة، إلاّ في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال، وبالأمثال الحسيّة، ثم لا يزال الاستعداد فيه قليلاً قليلاً، بمخالطة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه"، ونجده يسن طريقة التقريب بعد أن بنى هرماً معرفياً لكل علم وفن، انطلاقاً من البدايات وانتهاءً بالغايات، وهذا ما يُعرف بالأهداف التعليمية، سواء الأهداف المرحلية أو الأهداف الكلية (النهائية)، وأهمية هذا الترتيب هو ارتباطه الشديد بتدرج الاستعداد للفهم وقبول العلم، فهو إذن بمثابة المحفِّز العقلي.
ويمكن أن نلمس أثر التصعيب الإجمالي في النص التالي: "وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات، وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كلَّ ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه، وإنما أتى ذلك من سوء التعليم".
وكأن كلام ابن خلدون موجّه للمعلم، ولمصمم المنهاج، أحدهما بوصفه حلقة الوصل المباشرة بين المقرر وبين المتعلم، والآخر بوصفه مُنشئ المقرر وصانعه. وكم من متعلم صادف حجر عثرة في بداية طريقه العلمي فحادت قدماه عنها، وقد يكون الأمر مختلفاً لو صادف غير هذا.
التقارب الزمني
للمواد طبائع مختلفة، وأهداف متغايرة، وبالتالي فإن حيّزها الزمني المستهلك يتباين تبعاً لذلك، بوصفه نتيجة حتمية له. وعليه فقد تتكون كل مادة من مقررات تتفاوت في العدد من واحدة إلى
أخري، وعليه يظل ربط هذه المقررات ربطاً زمنياً أمراً ضرورياً، لما له من دور في بناء الملكة، بل واستحكامها وجودتها، وهذا ما قد يعرفه مصممو المناهج بالمناهج المترابطة، على غرار المناهج المنفصلة، فيحرصون على أن تكون مقررات كل مادة في فصول دراسية متتابعة، وهي ما يسميه ابن خلدون بالمجالس في قوله: "وكذلك ينبغي لك أن لا تطوّل على المتعلم في الفن الواحد (والكتاب الواحد) بتقطيع المجالس وتفريق ما بينها، لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة بتفريقها، وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان، كانت المَلَكة أجود"، وهذا حاضر في مناهج الكليات العسكرية، وذلك بالنظر إلى أصول المواد العسكرية والأكاديمية كما هو الحال في مواد التكتيك، بدءاً بمقررات المهارات وانتهاءً بالتكتيك الآلي، إذ يعمد المختصون إلى توزيع هذه المقررات توزيعاً مناسباً، يضمن استمراريتها وترابطها دون حدوث انفصام معرفي أو فراغ زمني، فتجسّد في مجموعها هرما معرفياً تكتيكياً عند الطالب، به تطمئن قلوب المعلمين- المدربين على اكتمال البناء المعرفي، وقوة التأسيس، وذلك نتيجة توزيعها في مستويات مناسبة لتدريسها، ويشبهها كذلك مواد الإسناد، والرياضيات، والثقافة الإسلامية، .. وغيرها.
ليس الخبر كالمعاينة
تتباين طرق عرض المعلومات للمتدربين، وتتباين الطرق بين العرض النظري الصرف، والعرض العملي الصرف. ولا شك أن لكل منهما مزاياه، كما أنه ينطوي على محاسن ومساوئ طبقاً لعدة عوامل ليس هنا مجال تفصيلها. ولكن يظل المزج بين هاتين الطريقتين هو الخيار الأمثل، بشرط أن يتناسب ذلك مع طبيعة المادة العلمية. وهذه الطريق هي ما ينادي به كثير من الطلبة، لأنها إلى فهم الدرس أقرب، وإلى تذكّره أسرع؛ فعرض المادة عملياً مزجاً بالجانب النظري هو الذي سيؤدي إلى جودة الملكة المعرفية ، وهو ما ينص عليه ابن خلدون بقوله: "ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم، فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر".
وبالرغم من كلفة استعمال هذه الطريقة، إلاّ أن نتائجها ستفوق حتماً تكاليفها. وما يقلّل من عبء هذه التكاليف، هو اختيار الطريقة المثلى؛ فطرق العرض العملي تتنوّع وتتدرج، وكلما كانت الطريقة أكثر واقعية، وأقرب للممارسة الحقيقية، كلما تنامت التكاليف، فالتناسب بين الثمرة والكلفة هو تناسب طردي، وعليه فالمدرب هو أكثر الناس تقديراً للمخرجات العلمية، مما يسهم في اختياره الطريقة المناسبة.
ومما لا شك فيه أن التدريب العملي على أرض الواقع هو أبلغ الدروس وأعمقها إفهاماً للمتدرب، إلاّ أنه عالي التكلفة، وعليه فعلى المدرب أن يختار الطريقة التي تعوّض هذا الواقع، وتحاكيه إلى حدٍّ ما، فذلك أجود من الاتكاء على الطريقة النظرية البحتة، ويمكن الاستعاضة عنها ببرامج المحاكاة الإلكترونية، وبرامج الحاسوب التشبيهية، وعرض المشبّهات، واستعمالها، كما يمكن عرض الصور الفوتوغرافية، وذلك أضعف الإيمان. إلاّ أن المحصّلة النهائية ستكون بلا ريب أجود من العرض النظري البحت.
وإن كان الجانب النظري لا يخلو من فائدة، إلاّ أن الفائدة المرجوّة من سوق الدرس للمتدرب تكون حينئذٍ مبتورة؛ لأن التصوُّر لا يكون صادقاً، والصورة لا تكون تامة، هنا لابدّ أن ندرك ماذا يعني الجانب العملي، ولذلك فإن قراءة نص ابن خلدون التالي يقف بنا على مفهوم (العملي) كما عناه في مقدمته، إذ يقول: "وبكونه عملياً، هو جسماني محسوس؛ والأحوال الجسمانية المحسوسة، نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة".
منهج الحوار
أصبح منهج المحاورة والمناقشة من المناهج، أو الطرق، التعليمية الرئيسة، وهذا ما تعتمده كثير من الهيئات الأكاديمية في كثير من بلدان العالم المتقدمة، لما أثبته من نجاعة، ولما أفرزه من نتائج محترمة، بل كان الحوار طريقاً مفتوحاً لانطلاق العقول في التعبير عما لديها من استجابات إيجابية، أو استفسارات وتساؤلات منطقية، وبهذا تبرز أهمية إعداد مادة في كيفية المحاضرة والمناظرة، بل والسعي الحثيث إلى تطبيق ذلك في كل خطوة تسمح طبيعتها بتطبيقه؛ لأن العلوم العسكرية ليست علوماً تكتسب بالحفظ فقط، وإنما يحتاج المعلِّم والمتعلِّم إلى المناقشة والحِجاج، فهذا يجيب، وذاك يسأل، وهنا يدلي أحد بحجة معارضة، في حين يدلي الآخر بحجة مبرهنة وداعمة. وتكمن أهمية ذلك في دور هذه الطرق والأساليب في إيجاد الملكة، بل وتقويتها وشحذها، وهنا يغدو من البيّن أن "أيسر طرق هذه الملكة، قوة اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرّب شأنها ويحصل مرامها".
ويكفي للتدليل على أهمية هذه الطرق ما نراه من كثرة المؤلفات في هذا المجال، وإن كانت هذه المؤلفات تتفاوت في جودتها، كما تتفاوت في منهجية كل منها، إلاّ أن شغف الناس بها، وبحثهم عنها لمؤشر حقيقي على أهمية هذه الطرق، وهذا مصداق لما أشار إليه ابن خلدون في نظريته.
ومهما أطلنا الحديث في هذا الأمر، فإننا نقصر عن إيفائه حقه في هذه الإشارات العاجل أمرها.
ضرر العسف
في هذا المحور، نجد أن ابن خلدون يجنح بالحديث عن متن المنهج، أو ما يمكن أن نسميه المقرر، إلى الحديث عما يحفّ بالعملية التعليمية من ممارسات تربوية سلوكية، وكأنه يوجّه كلامه إلى المعلم في كيفية التعامل مع المتعلم- الطالب، فيدلّه على الطريقة التي تضمن حسن السلوك مع الرغبة الأكيدة في الإقبال على التعلُّم، والالتزام بالكياسة واللباقة والاحترام التي تفرضها تعليمات البيئة التعليمية، وتتطلبها المرحلة التي يرتضيها المتعلِّم لنفسه؛ فهذه الطريقة في التربية لا يساوم عليها أي من طرفي العملية التعليمية، وهذه الطريقة هي الابتعاد عن العسف والقهر والشدة؛ لأن اللجوء إلى أي منها يفرز أضراراً جسيمة، كما أنها تفرز نتائج وخيمة، ليس في النتاج التحصيلي فحسب، بل في المسلك التربوي، إذ تنأى بالمتعلِّم عن الجادّة التي يجب عليه أن يسلكها، وتحيد به عن طريق السلوك المهذّب، وتجبره على اللجوء إلى بعض الحيل التي تكفل له المخارج المؤكّدة، بالرغم مما يكتنفها من طبائع مشينة، وخصال دنيئة قد لا يرتضيها المتعلّم بقدر ما يجدها حلولاً مؤقتة، ولكن الخشية من استعمالها هو أن ترتبط بسلوكه فتغدو قيماً سالبة، تصارع تلك القيم الموجبة التي يسعى المعلّمون والمتعلّمون إلى إكسابها واكتسابها على التوالي، فتطغى عليها.
يقول ابن خلدون: "ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيّق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدّن"، ولم يقصر حديثه على طلبة العلم، بل تجاوزه إلى ما هو أوسع من ذلك، وهذا التوسُّع لا يخلو من فائدة، ألا وهي قياس الحال بالحال، بالرغم من تفاوت الأحوال، وتباعد طبائعها، فنتيجة هذا الأسلوب التربوي واحدة.
وليتنا نتخذ من كلام ابن خلدون قاعدة نمتطيها في تعاملاتنا التربوية، فالتعسُّف لا يولد إلاّ إكراهاً، فكرهاً وبغضاً في النفوس للبيئة، وقد يتجاوز ذلك إلى الانصراف عن العلم، حتى لو كان التعلّم مشروعاً، بل ومرغوباً فيه، إذ يغدو التعسّف مصدّة للمتعلّم عن التعليم. ولنا في تجاربنا الاجتماعية خير مثال يمكن أن ينسحب إلى حدٍ كبير على حياتنا التعليمية.
وإن كان التوازن بين اللين في غير ضعف، والشدّة في غير عنف مهمة ليست باليسيرة، بيد أنها تُعدّ من خصائص القيادة التي لا يغرب عن القادة الاتصاف بها، فسمة التوسُّط في التعامل مع إعطاء كل سياق ما يستحقه، لهي من علامات التميّز في المعلم التربوي الذي ينشد أن يرغِّب في التعلّم أكثر من كونه يرهّب فيه، كما أن همّته لا تقف عند كيفية التعامل مع المتعلم فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى غرس هذه السمات، وتقعيد هذه الصفات في ذات المتعلم لتصبح من خصائصه الطبعية، ومن سجاياه القيادية، وهذا ما ينبغي أن تركّز عليه البيئة التعليمية برمّتها، من خلال تطبيق هذه المبادئ الأخلاقية، والبعد عن بعض الطرائق المضرة، فهذا أبقى وأنقى.
خاتمة
كما أسلفنا، تظلّ هذه الحلقات مجرد إشارات إلى ما وجدناه عند ابن خلدون، ويكفي أن نوجز ما رمناه من هذا العمل في هدفين عامين، هما:
oلفت الانتباه إلى ما يوجد في تراثنا من كنز هائل، وليس مدعاة إلى النقص وسمه بالتراثي، ولا يعدّ هذا خلوّه من الفائدة التي يمكن أن نوظّفها في حياتنا المعاصرة، ففيه من الأسس والأطر العامة ما يمكن أن يكون على الأقل نبراساً يهتدي به المخططون للعملية التعليمية، وأن يثقوا في ما جاء به، مع الأخذ في الاعتبار أنه يمكن تكييف ما استعصى منه، أو ما كان غير مناسب، فهو تراث طيِّع، لأنه مبنيّ على أسس متينة.
oالهدف الآخر، هو: عرض ما لدى ابن خلدون من خطوط تربوية عامة، فلديه محاور وموضوعات كثيرة جداً، ليس للتدليل على نباهته والبرهنة على فائدة ما كتبه، فهو أثبت في هذا من جبلٍ أشمّ، ولكن الهدف هو الإفادة من طروحاته، والتنبيه على ما جاء فيها.
ويبقى من المهم أن نشير إلى أن ما ذكره ابن خلدون سيكون أهم وأبلغ أثراً فيما لو تمت مقارنته ببعض العلوم التربوية الحديثة، والنظريات المتقدمة، ليس لعقد المقارنة، ولكن لدمج نتاج أكثر من حضارة، فنقف عند السمات المشتركة والأبعاد الموحدة لتبرز ضرورتها، ويغدو عندها من الممكن أن يلحقها التطوير والتجديد وفقاً لمعطيات الزمان وحاجة المكان.
وعليه، فنظرية ابن خلدون التعليمية تستحق من وجهة نظرنا أن يفرد لها أحد البحّاثة المختصين عملاً يليق بما فيها من أفكار، مع عقد المقارنات ومزجها بكل جديد ومفيد. وهذه البغية لم تكن متيسرة لما تحتاج إليه من وقت، واعتكاف، وصبر وجَلَد، وهذا ما حدا بنا إلى الاكتفاء بجهد المقلّ، تطبيقاً للقول العربي: "ما لا يُدرك كله، لا يُترك جُلَّه"