|
التكنولوجيا والثورة في الشؤون العسكرية
عرض- عبدالحميد غزي بن حسن
جاء كتاب (التكنولوجيا والثورة العسكرية) للواء الركن- حسام محمد سويلم في خمسة مباحث، حيث تناول في المبحث الأول: "المفهوم والجانب التاريخي" للثورة أو التطور في مجال التكنولوجيا الصناعية، مؤكداً أن للثورة انعكاسات قوية في الشؤون العسكرية، وقد استهل المؤلف هذا المبحث باستعراض أهم التعاريف لكل من الثورة والتقنية في التكنولوجيا العسكرية، ثم أهم مراحل الثورة في الشؤون العسكرية، حيث توصّل إلى نتائج تفيد أن الثورة في الشؤون العسكرية هي نتيجة متقدمة تستثمر في الجيوش، والاستحواذ على التكنولوجيا المتقدمة أصبحت الهدف الأعلى للدول الكبرى، حيث تسعى من خلالها إلى السيطرة وإلى المزيد من الهيمنة، وكما تخلق الثورة مفاهيم جديدة في الاستخدام الاستراتيجي والتكتيكي للقوات المسلحة، حيث لوحظ لدى الألمان ابتكار وتطبيق مفهوم الهجوم في عمق العدو الذي قضى على مفهوم الدفاع المعتمد على قوى المشاة المتحصنة في الخنادق، وتتيح الثورة في الشؤون العسكرية نخبة من القادة والضباط والعسكر، وتتطلب نوعاً جديداً من تنظيم القوى Force structure، ووجود سلاح مهيمن ومسيطر Master Weapon، وهو ما تمثل في المقاتلات القاذفة، والمدرعات المتطورة، والصواريخ كروز في الحروب الإقليمية الأخير. وأيضاً ترتكز الثورة على السيطرة على المعلومات، أي التخفيف من ضبابية الحرب، وكما أن اعتماد الثورة على الشؤون العسكرية يتطلب امتلاك التكنولوجيا المناسبة والحديثة، ودمج هذه التكنولوجيات في التنظيمات العسكرية وأساليب استخدامها القتالي، وهذا يحتاج إلى وقت وموارد مالية ضخمة للإنفاق على البحوث والتطوير والتصنيع والإنتاج. وأوضح المؤلف في المبحث الثاني، دور الولايات المتحدة في قيادة الثورة التكنولوجية العسكرية، إذ "لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الرائد الذي لعبته الولايات المتحدة في قيادة الثورة التكنولوجية العسكرية على كل الساحة العالمية، منذ ما قبل انتهاء الحرب الباردة"، وذلك من خلال تطوير أنظمة التسليح، وأنظمة قيادة وسيطرة فاعلة، وغزو الفضاء، وحرب المعلومات، إضافة إلى تفعيل كل ذلك في عقيدة قتالية جديدة وتنظيمات عسكرية مبتكرة وأساليب قتالية حديثة، أدمجت السلاح والمعدة مع المقاتل مع أرض مسرح العمليات في منظومة قتالية متكاملة تحقق أهداف السياسة والاستراتيجية العسكرية الأمريكية على المستوى الكوني. والأهم في هذا المجال، هو عدم وجود قوى منافسة للولايات المتحدة، فعندما شعرت الولايات المتحدة بأن الاتحاد السوفيتي سوف يسيطر على تكنولوجيا الصواريخ وعلى الفضاء، تحركت في عهد (كيندي) وبذلت جهوداً علمية وتكنولوجية مضاعفة خلال الستينيات، مما أدى إلى اللحاق بالسوفييت بعد ذلك في غزو الفضاء والهبوط على القمر، من خلال إرسال سلسلة من سفن ومكوكات الفضاء، مع تبني برنامج حرب النجوم والعمل على تطوير منظومات أسلحة تقليدية متقدمة جوية وبرية، لدرجة لم يستطع الاتحاد السوفيتي مجاراتها فيها. واستعرض المؤلف أسباب التفوق العسكري للولايات المتحدة، من خلال بروز دور التقنية الحديثة في حسم نتائج العمليات في ميدان المعارك التقليدية، في الفترة بين (1990 1999م)، من امتلاك أمريكا أسلحة بنسبة 66% من أسلحة الصناعات العسكرية، وتخصيص ما بين (50 10%) من الميزانية الدفاعية وميزانيات مؤسسات الصناعات العسكرية للبحوث والتطوير، ناهيك إلى امتلاكها (12) حاملة طائرات قادرة الوصول إلى أي مكان في العالم، وإلى وجود أكثر من (50) مؤسسة صناعية عسكرية كبرى على مستوى العالم، واحتكارها لمنظومات إلكترونية، ولمقدرتها على الاستيعاب السريع للتكنولوجيا المتطورة وتطبيقها. وخصّص المؤلف المبحث الثالث من دراسته لأهم تطبيقات الثورة في الشؤؤن العسكرية، حيث تبدأ تطبيقات مخرجات الثورة في الشؤون العسكرية، عندما يقوم أحد الأطراف الدوليين باستخدام تقنية عقيدة قتالية جديدة، وتنظيم مبتكر، ومنظومات تسليح متقدمة لتحقيق انتصار كاسح في الحال. وأشار المؤلف إلى أبرز التطورات التقنية في مجال أنظمة جمع المعلومات، وذلك من إدامة استخبارات آنية لساحة المعركة، كما تشتمل هذه التطورات التقنية على منظومة الاستثمار المتكاملة، واستخدام الموارد الفضائية لجمع المعلومات، حيث أصبح الاتجاه إلى استخدام الفضاء كجزء متكامل مع ساحات المعارك الأرضية بفضل التقنيات الحديثة في تطوير المستشعرات الفضائية أحد معالم الثورة الحالية في الشؤون العسكرية، وأحد الأولويات التي طرحها وزير الدفاع الأمريكي في تقريره السنوى للعام 2002م أمام الكونجرس، والذي أوضح فيه بجلاء، أن إحدى غايات التحوّل هي الحفاظ على إمكان الدخول الحرّ إلى الفضاء، وحماية الإمكانات الفضائية الأمريكية من الهجوم المعادي، مع حرمان الخصم أو الخصوم المحتملين في الوقت نفسه من استخدام الفضاء. وأكّد المؤلف في هذا الصدد على أن التفوق التقني في مجال المعلومات في محصلته النهائية، يعني الانتصار في البعد الرابع للعمليات، وهو الوقت، وذلك عبر تمكين جميع المستخدمين من الدخول في دائرة قرار الخصم، وجعلهم قادرين على الفعل في رد الفعل الأسرع في ميدان المعركة على حساب هذا الخصم. وتناول الباحث في المبحث الرابع "التطور التقني في أنظمة التسليح" من خلال مشاركة القوات الأمريكية في الحروب التي وقعت في الثلاثة عشر عاماً الأخيرة، مما أحدث قفزات حادة في التطور التقني في أنظمة التسليح، وتطورات مثيرة في قدراتها القتالية، كما في حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء 1991م)، وفي القوة المتحالفة ضد صربيا 1999م، وفي الحرب المستديمة في أفغانستان عام 2001م، وفي حرب الخليج الثالثة، ولتؤكد ما أتاحته تلك التقنيات من قدرات قتالية حاسمة، حيث شملت تلك التطورات أبعاداً عدة، منها: تنامي القدرات التدميرية، ودقة الهدف، وزيادة خفة الحركة المناورة والاعتماد على الأنظمة غير المأهولة، فمثلاً: لم يكن لدى القوات الأمريكية في عاصفة الصحراء سوى نظامين من المركبات الهوائية غير المأهولة، إلاّ أن التطور التقني حقق خطوات كبيرة من دخول الطائرات برايداتو في الخدمة العملياتية عام 1995م، عندما تم تسليح هذه الطائرات غير المأهولة بصواريخ مضادة للطائرات (هيل فاير)، واستخدمت في عملية القوات المتحالفة في "البلقان". وتحدث الباحث عن العلاقة بين أنظمة التسليح والذخائر الذكية، لما تؤدي إليه من نجاح هائل في تدمير الأهداف المعادية، ولعل من أبرز التغيرات في الذخائر الذكية: تصنيع ذخائر ذاتية الانطلاق، وتطوير أنظمة التحكّم بالأسلحة والطائرات عن بعد، وتطوير أسلحة الدفاع الجوي، والقنابل، والصواريخ الذكية للطائرات، والأسلحة الجيوفيزيائية. وأشار المؤلف إلى الأسلحة والذخائر الذكية التي استخدمتها القوات الأمريكية في حرب العراق 2003م، من قنابل : موآب، والملاجئ الحصينة، وصاروخ كروز المطور (توما هوك)، و الحرارية الانشطارية GBU-28، وصاروخ باتريوت PA C-3، والطائرات الروبوتية مع أنظمة الروبوت، إضافة إلى التطوير في المعدات. واختتم المؤلف دراسته بتطبيقات الثورة في الشؤون العسكرية من حيث القيادة والسيطرة، فقد أدت التطورات الإلكترونية إلى حدوث ثورة كبيرة، وبذلك شهد العالم تطوراً تقنياً في الأنظمة الإلكترونية العسكرية، كما ساهمت في رفع كفاءة عمل مراكز القيادة والسيطرة الميدانية على المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، وعلى الأخص نظام القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات (C41)، حيث مثّلت حرب تحرير الكويت التحدي الأول لنظام القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات. وفي الحرب نفسها، برزت أهمية إحكام القيادة والسيطرة على مراكز القيادات وفرزها وتصنيفها وإعادة تجميعها والاستفادة منها، وتأمين مطالب الإمداد اللوجستي للقوات أثناء الحرب، الأمر الذي أدى إلى تطوير نظام القيادة والسيطرة بإضافة الكمبيوتر. وأكّد المؤلف على أن أنظمة القيادة والسيطرة الفضائية، مثل: (نظام القيادة والسيطرة الاستراتيجي SACCS، ونظام التخطيط للحرب الاستراتيجي SWPS، ونظام الوطني NCS)، وغيرها من الأنظمة التي تستخدمها حالياً القوات الأمريكية، تعدُّ انعكاساً واضحاً لبعض جوانب الثورة في الشؤون العسكرية في شقها المتعلق بالقيادة والسيطرة، وهي جزء من منظومة متكاملة في القوات الفضائية الأمريكية. ونوّه الباحث إلى نقطتين، الأولى: أن العولمة والتغيرات في طبيعة الصراع السياسي، والاعتماد على التكنولوجيا، وتقليل دور العامل البشري، خلق تحديات ضخمة للقوات المسلحة في عصر المعلوماتية، فالمرحلة الانتقالية للعصر الجديد، ساهمت في تحويل الجيل الثاني من أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات C31 إلى الجيل الثالث C41، ثم الجيل الرابع تباعاً. والنقطة الثانية: خطورة الفجوة التقنية بين الجيوش العربية والجيوش الغربية، كما لوحظ في حرب الخليج الثانية والثالثة من خلال مجالات التطورات التقنية الحديثة، ويعزو المحللون العسكريون ذلك إلى أن الجيوش العربية لا تستخدم قدراتها البشرية والعسكرية بكفاءة، ولا تستوعب التقنية المتقدمة في قواتها المسلحة، وذلك بسبب اعتماد الدول العربية على استيراد الأسلحة وعدم الاهتمام ببناء الصناعة الحربية الوطنية، وعدم تأهيل المصادر البشرية المدربة، وإلى التغيير المستمر في القيادات العسكرية، ونقص المرونة في أعمال القوات المسلحة. ويقترح المؤلف من أجل علاج تلك السلبيات، ولتقليص الفجوة التقنية بين الجيوش العربية والجيش الإسرائيلي: العمل على إنشاء صناعة عسكرية عربية متطورة تستوعب الكفاءات العلمية والتكنولوجية العربية المبعثرة على كل الساحة العالمية، وحشد الجهود العربية في إطار خطة واقعية تستهدف تحقيق النقلة التكنولوجية المطلوبة في كل المجالات، والعمل على تخصيص الموارد المالية لأعمال البحث والتطوير في المجال العسكري، وإمكانية توحيد التسليح بين الدول العربية، وذلك لتحقيق قدر من الأمن والمساعدة على التعاون الوثيق في مواجهة الأزمات، وكذلك الاستفادة من الخبرات العربية في مجال الاستخدام الفني والقتالي لهذه النظم التسليحية، والاستعانة بمشاركة الجامعات ومراكز البحوث والدراسات والمؤسسات الصناعية المدنية، لاختيار أفكار جديدة وجرئية لدعم القوات المسلحة في جميع مجالات التقنية
|