وفي ظل التزام روسيا بتدمير أسلحتها الكيميائية، يمكن تحقيق مصالح وطنية جمة لدول أخرى بعدم وقوع تلك الأسلحة في أيدي جماعات إرهابية. ورغم أن روسيا تفتقر حالياً للموارد المالية للشروع في تدمير أسلحتها الكيميائية، إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قد تعهدت بمساعدتها في ذلك. كما تمركزت قوات أمن روسية - بأمر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في كافة مواقع مستودعات الأسلحة الكيميائية لحراستها. وأصدرت روسيا - كغيرها من الدول الأعضاء - تشريعات تلزم كافة المواطنين الروس في الداخل والخارج بالتقيد بنصوص الاتفاقية، وتعهدت بفرض عقوبات على مخالفيها.
وتعاقب اتفاقية منع الأسلحة الكيميائية الدول غير المشاركة بنبذها عالمياً وحظر حصولها على المواد الكيميائية الأولية. ونظراً لأن مثل هذه المواد لها استخدامات تجارية مهمة فستكون للدول التي لم تصادق على الاتفاقية دوافع اقتصادية وسياسية للتوقيع عليها.
وتعتبر الصناعات الكيميائية الأمريكية - التي يبلغ إجمالي صادراتها 60 مليار دولار - من أكبر قطاعات التصدير في الولايات المتحدة، وإن لم تصادق الولايات المتحدة على اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فإنها ستفقد جراء ذلك أموالاً طائلة سنوياً، وما كان لها أن تتمتع بعضوية المجلس التنفيذي - الذي تقع على عاتقة مسؤولية الإشراف على تنفيذ الاتفاقية - أو تتمكن من تولي مناصب مهمة في عمليات التحقق والتفتيش.
وأخيراً، فإن اتفاقية الأسلحة الكيميائية - التي تعد خطوة مهمة على طريق الحد من الأسلحة - هي أول اتفاقية متعددة الأطراف تطالب بالتخلص من مخزون كامل لنوع من أسلحة الدمار الشامل تحت إشراف دولي صارم. وتكاد هذه الاتفاقية أن تحصل على قبول كافة دول العالم لوضع قواعد عالمية ضد حيازة واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتقلل الاتفاقية من احتمالات اندلاع حرب كيميائية في المستقبل، فضلاً عن الفوائد العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تترتب على المصادقة عليها
Military Review,March-April2005. توشك إسرائيل أن تكمل خطتها الرامية لإحكام قبضتها على القدس، حيث تعمل للاستيلاء على الأراضي والممتلكات الفلسطينية حول القدس وداخلها، وبناء ما تسميه الجدار العازل عبر الضفة الغربية لمنع الوصول إلى الدولة اليهودية ومستوطناتها غير الشرعية في المنطقة. وتهدف من وراء ذلك إلى فصل القدس الشرقية - الجزء العربي من تلك المدينة المقدسة، والذي استولت عليه من الأردن في حرب 1967م - عن الضفة الغربية، وتحويل تلك الأراضي إلى معقل يهودي، ومنع الفلسطينيين من استخدامها عاصمة لدولتهم المستقلة.
وتمثل مدينة القدس - المقدسة لدى المسلمين واليهود والمسيحيين - جوهر النزاع في منطقة الشرق الأوسط. ويعتمد مستقبل العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية على هذه القضية الحساسة، وربما تفشل كافة جهود السلام بسببها. وقد درج الإسرائيليون منذ عدة سنوات على طرد المواطنين الفلسطينيين من القدس الشرقية - والتي يوجد بها المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وقبة الصخرة - وفي الوقت نفسه تعمل على تطويقها بالمستوطنات اليهودية. ويطلق اليهود على المستوطنات التي تقع داخل حدود تلك المدينة اسم الأحياء المجاورة بدلاً من كونها مستوطنات، ويهدف اليهود من ذلك إلى ربط هذا الحزام الداخلي من الأراضي التي يستولون عليها بالهلال الخارجي من المستوطنات الأكبر التي تم إنشاؤها على مدى العقود الأربعة الماضية على أطراف الأجزاء الشمالية والشرقية والجنوبية من مدينة القدس. ومن الواضح أن إسرائيل ترمي إلى تغيير الملامح الجغرافية للقدس.
ويرى بعض المراقبين أن إسرائيل ستقع في خطأ فادح بمحاولتها إشعال النزاع ببنائها للجدار العازل.
وفي شمال القدس توجد 13 مستوطنة يهودية، يجري العمل على ربطها مع بعضها البعض من جهة، ومع القدس من جهة أخرى، من خلال شبكة طرق تعزل القدس الشرقية عن أراضيها الداخلية الطبيعية الممتدة من مدينة رام اللّه - العاصمة السياسية والتجارية لفلسطين - وحتى مدينة بيت لحم.
ويركز الإسرائيليون حالياً على خطة توسعة شرقي القدس، التي يطلق عليها اسم الخطة E-1، لربط المدينة بمستوطنة "معايل أديوميم"، وهي من أكبر المستوطنات في الضفة الغربية، ومضاعفة عدد سكانها الذي يبلغ حالياً 30000 مستوطن خلال السنوات القليلة القادمة. وبعد ربط مستوطنة "معايل أديوميم" بجسر بري وفق الخطة E-1، فإن حدودها ستمتد من القدس شرقاً حتى مدينة الخليل، لتقسم الضفة الغربية إلى جزأين، بحيث تصبح كافة الطرق الرئيسة المتجهة من الشمال للجنوب وبالعكس تحت السيطرة الإسرائيلية.
وللجنوب من القدس - في اتجاه مدينة بيت لحم - ستربط المدينة بشريط من المستوطنات اليهودية كمستوطنة "هار هوما" المؤلفة من 1400 شقة مبنية على الأراضي التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1967م. ويشكل نطاق المستوطنات اليهودية الواقعة داخل الجدار العازل في مجمله ما يطلق عليه الإسرائيليون "النطاق الأمني للقدس". ويشمل ذلك النطاق 4% من أراضي الضفة الغربية، مما يحطم الآمال في بناء الدولة الفلسطينية ويجعلها موزعة بين ثلاثة "كانتونات" من بينها قطاع غزة. وفي الوقت الذي يقارب فيه الجدار العازل من الانتهاء، تلوح في الأفق بوادر اندلاع أعمال العنف مرة أخرى ما لم يبذل المجتمع الدولي جهوداً مضنية للتوصل إلى تسوية بشأن وضع مدينة القدس التي تثير مشاعر المسلمين واليهود والمسيحين. وينظر الفلسطينيون إلى الجدار العازل - الذي يقطع أوصال الضفة الغربية - وإلى سياسة الاستيطان - التي تنتهجها إسرائيل - على أنها مقدمات لحدود جديدة تعلنها إسرائيل، تتجاوز الأراضي التي استولت عليها عام 1967م، وتقتطع أجزاء من أراضي الدولة الفلسطينية.
كما أعلنت إسرائيل عن عزمها الشروع في أعمال تنقيب في موقع أثرى بالقرب من الحرم الشريف، ورفض الفلسطينيون أعمال الحفر من منطلق أنها تشكل خطورة على المقدسات الإسلامية. وكانت أعمال الحفر التي قامت بها إسرائيل عام 1996م بالقرب من الحرم الشريف قد شهدت أعمال عنف استشهد خلالها 61 مواطناً فلسطينياً وقتل 15 جندياً إسرائيلياً.
وسيؤدي بناء الجدار العازل إلى عزل حوالي 200000 مواطن فلسطيني ممن يقطنون داخل حدود القدس عن مزارعهم وعن أراضيهم الداخلية الطبيعية في الضفة الغربية، ومنع حوالي 55000 فلسطيني ممن يسكنون شرقي القدس خارج حدود إسرائيل من الوصول إلى ديار أجدادهم وإلى أعمالهم.
وبموجب القانون الدولي، تعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي المحتلة التي استولت عليها إسرائيل عام 1967م، ولم تعترف كثير من الحكومات بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وترفض تلك الحكومات محاولات إسرائيل إحكام قبضتها على المدينة. وفي حين أن الأمريكيين ينتقدون الخطة الإسرائيلية، إلا أنهم لم يكبحوا جماح تل أبيب من تنفيذها أو منعها من توسيع المستوطنات. وكانت الولايات المتحدة قد صوتت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يطالب إسرائيل بإلغاء "قانون القدس" الذي يعلن عن القدس - الكاملة والموحدة - عاصمة لإسرائيل، وحتى ذلك الحين كانت الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت على المسألة بحجة أن وضع المدينة المقدسة ينبغي أن تتفاوض عليه الأطراف المتنافسة. ولم تبذل إدارة بوش جهوداً ملموسة لوقف برنامج إسرئيل التوسعي
The Middle East, November 2005