بقلم د. علي بن عبدالعزيز الشبل
| |
| تفجير أحد المباني في السعودية |
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فأسأل الله جلّ وعلا أن يدلنا على محبوباته، ويوفقنا لمرضاته، و يجنبنا أسباب غضبه ومسخوطاته، وأن يلهمنا رشدنا، ويعاملنا بعفوه.
إن مفهوم التكفير هو الحكم على أشخاص معينين بالكفر المخرج عن الملة، وهو ما يسميه العلماء بتكفير المُعيِّن، ولعل هذا هو المراد بالتكفير عند إطلاقه بين الناس في هذا الزمان.
وأيضاً التكفير هو الحكم على غير معينين بالكفر المخرج عن الملة، سواء كانوا جماعات أو أهل بلدان أو مذهب أو قوم، وهو ما يسميه العلماء بالتكفير المطلق، وكذلك الحال أيضاً في المراد بالتفسيق، فيُقال في المراد به كما قيل بالتكفير؛ مع ملاحظة أن المراد بالتكفير والتفسيق في الاستعمال الملحوظ الآن ومن خلال واقع الحال هو التكفير المعيِّن والتفسيق المعيِّن بأشخاص محددين بأعيانهم وأسمائهم، سواء بالحكم الدنيوي أو الحكم الأخروي، أو بهما معاً. ولذا صحَّ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "أيما امرئ قال لأخيه: ياكافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه"، وفي الصحيح قوله (صلى الله عليه وسلم): "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
والتكفير مرحلة خطيرة على العقيدة وعلى الفرد وعلى المجتمعات، تسبقها مراحل التبديع والتفسيق، والجميع سائر في مركب الجهل والغوائية والسفاهة، التي تشيع الخوف وتشيع الكره والافتيات في المجتمع المسلم، مما يكرّس معاني الفوضى والهمجية مما لا تحمد عقباه.
والكفر يكون بالقول، كما في قوله في سورة براءة: "وَلَقدْ قَالُوا كَلِمةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهمْ وَهمُّوا بِما لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُم اللَّهُ وَرَسُولَهُ مِنْ فَضْلِهِ".
وقد فشت ظاهرة التكفير قديماً، ففي أمة الإسلام، رفعت قالة التكفير برأسها في أواخر عهد أمير المؤمنين عثمان (رضي الله عنه)، وهي التي تسببت بقتله ثم بمقاتلة الخوارج لعلي وللصحابة (رضي الله عنهم)، في حين بدأ أصلها عقب غزوة حنين، أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، لما قسَّم غنائم حنين، فقال: يارسول الله اعدل! فقال (صلى الله عليه وسلم): ويحك! ومن يعدل إن لم أعدل! فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): يارسول الله دعني أضرب عنقه. فقال (صلى الله عليه وسلم): دعه، فإنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقيامكم إلى قيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم؛ فكان هذا بفرقة الخوارج ومن تأثّر بهم، وسراية مذهبهم الفاسد الخبيث إلى طوائف وجماعات وأفراد من المسلمين قديماً وحديثاً والله المستعان.
لا أعرف مكاناً محدداً لنشوء ظاهرة التكفير والتفسيق، ولا سيما المعينين، لكن هذه الظاهرة تنمو وتظهر في بيئة الجهل وسوء الفهم والتنزيل لأحكام الشرع المطهر، وكذلك تفشو هذه الظاهرة في مجتمع الازدواجية بين المتضادات من خلال الحفاوة بأهل الفسق والزندقة، أو عدم الأخذ على أيديهم بالعلم والبرهان، والقوة والسلطان أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر.
والواقع أن أسباب ظهور ظاهرة التكفير وفشوّها وانتشارها عديدة، ويكمن أهمها في:
1. الجهل الذريع، وربما الجهل المركّب، بهذه المسألة المهمة في معرفة الكفر في موارد أدلة الوحي الشريف، والفرق بين الكفرين: الأكبر والأصغر، وحال أصحابهما من جهة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، والفرق بين الكفرالمطلق والكفر المعيِّن، والكفر الدنيوي والحكم لأصحابه بالخلود الأخروي بالنار.
2. اتباع الهوى، والأغراض النفسية بتكفير المخالف وذمّه والقدح في عرضه بالكفر دون تبصّر بالعلم، وتورع بالديانة "أَفَرَأيْتَ من اتَّخَذَ إِلاهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ".
3. اتباع المذاهب البدعية، والأقوال الشاذة، وتقليد الأصاغر في العلم والدين في إطلاق الكفر على الدول والمجتمعات والأفراد.
4. الاستهانة بمحارم الله وأحكام شرعه، وعدم الأخذ على يد المكابر والمعلن بقالة الكفر، وأطره على الحق أطراً بقوة البرهان والسلطان؛ إلي غير ذلك من الأسباب، مع الأخذ بالاعتبار أن كل سبب من هذه الأسباب يحتاج إلى بسط في العرض والتحليل وضرب الأمثلة والتدليل.
أهم آثار انتشار ظاهرة التكفير والتبديع والتفسيق هو: فشوّ الجهل، وخفاء العلم بالدين (عقيدة وشريعة)، وتشويه سماحة الإسلام وعالميته، وكذلك من أهم الآثار اختلال الأمن العام للمسلمين وغيرهم: الأمن العَقَدي والفكري، والأمن الديني، والأمن الاجتماعي، والأمن السياسي، والعسكري، والأمن الأسري، والأمن النفسي، ولاسيما على العقل والدين والعِرْض والنفس والمال، وهي الضرورات الخمس التي أجمعت على حفظها شرائع الله قاطبة، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"، وفي حجة الوداع في يوم عرفة قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" متفق عليه.
وعلاج ظاهرة فشوّ قالة التكفير أو التبديع والتفسيق بين الناس، ولاسيما المتعالمين أو المتعجلين في أحكامهم أو الجهاهلين بها، هو بعلاج النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعلاج أصحابه (رضي الله عنهم) لظاهرة الغلوّ في الدين، والتجافي عن منهاج العدل والوسطية عقيدة وقولاً وعملاً. ويتأتّى ذلك بوسائل، أهمها فيما يبدو لي:
1. نشر العلم الصحيح الموروث عن الله وعن رسوله (صلى الله عليه وسلم) في الوحيين الشريفين، وعلى نبراس من فقه السلف الصالح من لدن الصحابة، فالتابعين، فعلماء الأمة الفحول (رضي الله عنهم ورحمهم)، والقضاء بالتالي على الجهل أو محاصرته، وهو بيئة التكفير التي يترعرع فيها.
2. معالحة الظواهر الفردية بالحكمة والبصيرة اللائقة بها زماناً وواقعاً وحالاً، ويتأتى هذا بالعلماء الراسخين، والحكماء ذوي العقل والفطنة.
3. قيام الحاكم الشرعي، والعالم الرباني، والمربي الواعي، كلٌ منهم بواجبه المناط به ديانة وأداءً للأمانة الواجبة، وإبراءً للذمة، ونصحاً للأمة إعذاراً وإنذاراً.
ثم ثمة علاج خاص لمن وقع في شباك هذه الفتنة من خلال مسلكين رئيسين أحدهما: بالرفق واللين والتوجيه والتربية وحسن البيان لمن اشتبه عليه الأمر أو ادلهمت عليه الشبهات، ولا يتأتى هذا إلاّ على يد ذوي العلم والغيرة الراسخين، والثاني: بأسلوب مقارعة الحجة ودفع الشبهة، والتأديب والتعزير اللائقين في المعاند والمكابر، ومن على شاكلة هؤلاء، وهذا مناط بالقضاة والعلماء، كما في آية المائدة "إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحَارِبونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيديهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاف أَوْ يُنْفَوْا من الأرض ذِلكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُنْيا وَلهُم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيم".
نعم إن من يجاهر بكلام يصل إلى الكفر أو يدل على الرِدَّة عن الديانة، والزندقة في الملة، فإنه يدل على رقة الدين وضعفه في قلبه أو اضمحلاله، ثم يولد ردّة فعل عكسية بتكفيره، إما مقالة أو عيناً، فهذه الظواهر الاستفزازية من أولئك، مصدر من أهم مصادر التكفير فمن ذلك النصح لهم ودعوتهم ثم الإنكار عليهم قولهم بالأسلوب اللائق وكل مقالة يتفوه بها كل منهم.
ثم من لم يتب منهم ويرجع عن غيّه، فبإقامة حكم الشرع عليه دون مجاملة ولا محاباة لأحد في دين الله عز وجل، ولا شك أن لجانب القضاء الشرعي في بلادنا النزاهة والتثبت والنظر العلمي المعتبر من عدة مستويات من المحاكم: الكبرى، فالتمييز، فمجلس القضاء الأعلى، وهذه الدوائر القضائية الكبرى تبلغ أقصى مدى ممكن لتحري العدل والحق وإنفاذهما، وكما يجب على مسؤولي الإعلام تقوى الله، وأن لا يؤذوا عباد الله بمثل تلكم المقالات والطروحات الخطيرة التي تستفز دين الأمة وعقيدتها، وأن تحترم ذلك كما تحترم سياسة دولتها.
هذا، والمسلم العاقل له في الناس كل الناس نظران:
1. أن ينظر إليهم بعين الحكم الشرعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء، والنصح والدعوة لكل بحسبه.
2. وأن ينظر إليهم بعين القدر والقضاء، فمن كان منهم منحرفاً في قوله أو فعله أو عقيدته، رحمه بذلك، وحمد الله أنه لم يكن مثله، وأن الله قد عافاه مما ابتلى به غيره، فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.
لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهمإذ لا تُردُّ مشيئة الديَّان
فاجعل لقلبك مقلتين كلاهما بالحق في ذا الخلق ناظرتان
فانظر بعين الحكم واحملهم على مقتضى ما جاء في القرآن
وانظر بعين القدر وارحمهم بها فالقلب بين أصابع الرحمن
لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهمفالقلب بين أصابع الرحمن
وواجب العلماء كبير ومهم وخطير في البدء والنهاية، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات، فمن العلماء المُفتون والمنشغلون بالنوازل والبحث العلمي فيها، ومنهم المدرسون وباذلو العلم، ومنهم الوُعّاظ والموجهون، ومنهم القضاة، فالله المسؤول أن يعينهم ويوفقهم، و يأخذ بأيديهم ويثبتهم. والمؤمل فيهم المبادرة إلى توجيه الناس وتربيتهم على الحق والخير، ودعوتهم إليه وحملهم عليه، وبيان الأمور المشكلة عليهم وإيضاحها لهم حسب تقديرهم وفقهم الله للأحوال والأمور، ولا يليق بهم التخلّف وعدم المبادرة لذلك، حيث هم محط أنظارهم، ومرفع رؤوسهم في مثل هذه الخطوب.
كما ويجب على الناس وذوي الغيرة الرد إلى العلماء، ولاسيما في مثل هذه المسائل الدقيقة والأمور المهمة في الخطوب المدلهمة، ومن ذلك مشاكل التكفير والتبديع والتفسيق، والصدور عن توجيه العلماء ورأيهم.
ولا يجوز من ذوي الحماسة والاندفاع الاستهانة بأهل العلم وأحكامهم وفتاواهم ورأيهم، وهو لا يجوز أيضاً من ذوي التخاذل والاستكانة وقلة الغيرة على دين الله وشرعه، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
التفجيرات وأثرها في الفساد:
إن إرهاب الآمنين وتخويفهم وإشاعة الخوف فيهم من صنائع أهل البغي والخروج، الذين سلمت منهم دماء المحاربين من أهل الكفر، وأعملوا القتل في أهل الإسلام، ولقد صحَّ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "لأن تُهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على الله من أن يهراق دم امرئ مسلم".
كما وأن التفجير في المجتمع المسلم الذي فيه ولاية شرعية وأمن وطمأنينة كمجتمعنا ولله الحمد من السعي في الأرض فساداً، بل ومن الافتيات على الولاية المعتبرة الشرعية في أعناق المسلمين لولي أمرهم، ومن إهدار الأرواح والأموال والأمان بين المسلمين، ولو أن هذا الفعل موجّه لكافر له معنا عهد وميثاق، فإن ذمة المؤمنين واحدة يسعى بها أدناهم، كما صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل وهو متوعد بوعيد خطير، فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من غير وجه أنه قال: "من قتل نفساً معاهدةً بغير حلِّها، حرَّم الله عليه الجنة أن يجد ريحها" ورواه أحمد وبعض أهل السنة.
وعليه، فإن عمليات التفجير والقتل التي تطال المسلمين في بلاد الإسلام محرّمة عظيم حرمها، وكذا ما طال المستأمنين أو المعاهدين ممن لهم عهد وأمان من الكفار في معاهدات ومواثيق مُنحت لهم من ولاية المسلمين الشرعية، لها من الحرمة والخطورة ما دلت نصوص الشرعية وقواعدها ومقاصدها عليه من وجوه كثيرة يدركها أهل العقل والحكمة، فضلاً عن العلماء والفقهاء، وتغيب أو تُغيّب عن مدارك الصبيان والجهّال وأنصاف المتعلمين ، والله المستعان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "وَإِذا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوْ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلو رَدُّوه إِلى الرَّسولِ وَإلى أُولِي الأَمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم ولَولا فَضْلُ اللَّهِ عَليْكُمْ وَرَحْمتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً". والله سبحانه يتولانا وإياكم برحمته، ويحفظنا بحفظه، ويوفق المسلمين لكل خير ويجنبهم كل شر وسوء ومكروه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه. اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشَداً، يُعزّ فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل معصيتك، ووفق ولي أمرنا وأعزه وانصره وانصر دينك، وهيئ له بطانة صالحة