اللواء د. سعيد بن ناصر المرشان - رئيس التحرير
| |
| اللواء الدكتور سعيد بن ناصر المرشان - رئيس التحرير |
في عالم لا مكان فيه إلاّ للأقوى، سواء كانت القوة عسكرية أو اقتصادية، وهما في هذا المقام متلازمتان، إذ لا توجد مقدرة عسكرية بدون اقتصاد متين يتيح لها استدامة الصراع في حال نشوبه، فإذا كانت القوة العسكرية ضرورية في الحفاظ على سيادة الدولة، فإن القوة الاقتصادية ضرورة لحماية قرارها؛ إذ إن الدولة التي تعتمد في حاجاتها على الغير يكون موقفها أضعف من تلك التي تعتمد في مأكلها وتجارتها وصناعتها على أيدي أبنائها. وبنظرة متأنيّة إلى دول العالم الأول نلحظ أنها اعتمدت في نهضتها العلمية والعملية على ثرواتها البشرية، حيث وجهت جل استثمارها نحو تنمية الثروة البشرية ورفع كفاءتها الإنتاجية.
ولإيمان سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بأهمية هذا الجانب، فقد وجّه (يحفظه الله) بالاستثمار في الثروة البشرية، حيث أصبح العنصر البشري محور اهتمامه في التطوير في السنوات الماضية.
وكان من أولوياته (يحفظه الله) توجيهه بتطوير التعليم العام من خلال الدعم السخيّ عبر (مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم) ، الذي يعنى ببناء معايير عالية لمختلف جوانب العملية التعليمية، وتطوير نظام لتقويم التعليم وقياس مستوى الجودة، إضافة إلى تطوير وتحسين عناصر العملية التعليمية: المنهاج، والمعلّم، والبيئة التعليمية، وذلك من خلال تحسينها وإعادة تأهيلها وتهيئتها لتكون بيئة محفّزة للتعليم، إضافة إلى تعزيز القدرات الذاتية والإبداعية وتنمية المواهب.
كما كان هاجسه (يحفظه الله) أن يتحوّل المجتمع السعودي إلى مجتمع المعرفة، لذا فقد صدرت توجيهاته (رعاه الله) بإنشاء (مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع) لكي تصبح المملكة العربية السعودية مجتمعاً مبدعاً، فيه من القيادات والكوادر الشابة الموهوبة والمبتكرة ذات التعليم والتدريب المتميّز، ما يدعم التحوّل إلى مجتمع المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة.
وعلى صعيد التعليم الجامعي، الذي كان يشكو من قلّة في عدد الجامعات، حيث لم يتجاوز عددها السبع جامعات موزعة على عدد من المناطق دون أخرى، الأمر الذي أجبر العديد من الأسر إلى هجر مدنهم وقراهم لمرافقة أبنائهم لمواصلة التعليم، والذي نتج عنه عدد من السلبيات، سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي، حيث تجد مدناً تكتظ بالسكان وأخرى مهجورة، بما يترتب على ذلك من تبعات ومحاذير أمنية، فضلاً عن عدم حصول العديد من خريجي الثانوية العامة على مقاعد في الجامعات، نظرً لمحدودية المقاعد وكثرة الخريجين، إضافة إلى تدنِّي المخرجات، مما جعل جامعاتنا تحتل مواقع متأخرة في التصنيف العالمي. لهذه الأسباب، أمر خادم الحرمين الشريفين (يحفظه الله) بدراسة أسباب تدنِّي مستوى الخريج والجامعة، ومن ثم أمر (يحفظه الله) بتوسيع قاعدة الدراسات الجامعية عن طريق افتتاح عدد من الجامعات، مع توفير الدعم المادي والمعنوي حتي وصل عددها إلى أربع وعشرين جامعة غطَّت جميع مناطق المملكة، وأصبح في مقدور كل خريج أن يحصل على مقعد دراسي قريباً من أهله وذويه، ليس هذا فحسب، بل أمر (يحفظه الله) بفتح باب الابتعاث الخارجي والتوسُّع في ذلك إلى العديد من دول العالم المتقدمة لمواصلة تعليمهم على جميع المستويات حتى درجة الدكتوراة، عبر (برنامج الملك عبدالله للابتعاث)، مع تطبيق معايير الابتعاث. وامتدت مكارمه التي لا تنقطع، والتي كان آخرها أمره (يحفظه الله) بضم الدارسين على حسابهم إلى برنامج الابتعاث على حساب الدولة في العديد من الدول والجامعات المُعترف بها، ليعود الطالب المبتعث عضواً نافعاً يكمل البناء الذي بدأه من سبقه، وليستفيد ـــ بالإضافة إلى العلم ـــ من المعارف الأخرى، وليتعرّف على ثقافات مختلفة يستطيع أن ينقلها إلى المملكة العربية السعودية بعد عودته.
ولم يكتف (يحفظه الله) بتلك الرؤية الشاملة لتطوير العلم والتعليم، بل أوقد حماس الجامعات للمنافسة فيما بينها، وذلك للحصول على الترتيب المتقدم في مصاف الجامعات العالمية، فسعت مدعومة ـــ بكل الدعم المادي والمعنوي ـــ للعمل والبحث والتطوير، وذلك من خلال استقطاب الكفاءات وإنشاء الكراسي البحثية، لتتحول الجامعات إلى خليّة بحث، وليست مجرد مقاعد تلقين، لتنعم (إن شاء الله) في القريب العاجل بأن يكون الخريج كما خطط له قائد هذه البلاد المباركة وما يأمله المجتمع، وليتحوَّل المجتمع السعودي إلى مجتمع معرفة يحرص على جودة المنتج وتميّزة، ولم تقتصر جهوده (يحفظه الله) بدعم التعليم العام والعالي فحسب، بل سارع (يحفظه الله) إلى تحقيق حلمه الذي عاش معه زمناً طويلاً، وذلك عندما أمر (أيده الله) بإنشاء (جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية)، التي تعتبر من أهم المراكز المتقدمة في البحث العلمي في العالم، ثم جعل لها وللجامعات الأخرى ميداناً فسيحاً للدراسة والبحث، من خلال أمره (يحفظه الله ويرعاه) بإنشاء مدينة (الملك عبدالله للطاقة النووية)، إدراكاً منه بأننا نعيش زمن الاقتصاد المعرفي، وزمن تنفد فيه جميع الطاقات الكامنة تحت الأرض إلاّ الثروة البشرية التي جعل منها محور اهتمامه.
حفظ الله سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي عهده الأمين وسمو سيدي النائب الثاني، وأدام على مملكتنا أمنها واستقرارها .