لم يكن أمراً غريباً ولا مباغتاً أن يقوم وزير الخارجية للمملكة العربية السعودية (سمو الأمير سعود الفيصل) بزيارة دمشق والقاهرة يوم 23 آذار/ مارس 2010م، ذلك أن التحــديات الإسرائيليـة، والممارسـات الإسرائيليـة الاستفزازيــة، قد تجـاوزت حدود كل ما عرفه الفلسطينيون والعرب والمسلمون والعالم كله من تحديات إسرائيل واستفزازاتها، وكان لزاماً بتنسيق التعاون العربي تمهيداً لمؤتمر القمة العربي الذي عُقدِ في طرابلس (ليبيا) في نهاية أيام شهر آذار/ مارس 2010م، وبينما كان الوزير (سعود الفيصل) يقوم بجولته واتصالاته مع عواصم الدول العربية، كان رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتينياهو) على موعد للقاء الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) وكبار الشخصيات في إدارته، للبحث في قضية دفع عمليات السلام المتوقفة بسبب الأعمال الإسرائيلية المضادة للسلام، وكعادته استبق (نتينياهو) اللقاء بتصريح قال فيه : «إن القدس ليست مستوطنة، ولكنها عاصمة دولة إسرائيل». وجاء رد المملكة العربية السعودية فورياً، حيث طلبت الخارجية السعودية إلى اللجنة الرباعية إيضاحات بشأن تصريحات رئيس وزراء إسرائيل وأعلنت إدانتها لأقواله، فهل ستتقدم عملية السلام؟
1 . إسرائيل وسـراب السـلام
لابد من التوقُّف قبل الذهاب بعيداً في البحث للإقرار بحقيقة أصبحت معروفة عالمياً، وهي أنه كلما حدث تقدّم للوصول إلى السلام، سواء مع السلطة الفلسطينية، أو مع سوريا، عملت القيادة الإسرائيلية على وضع العقبات وتفجير الأزمات، وإثارة الاضطرابات لإحباط جهود السلام العربية والدولية، معتمدة في هروبها من السلام على مجموعة من العوامل، منها:
أولاً: الغطاء الأمريكي، والدعم السياسي والاقتصادي والمالي غير المحدود الذي تستثمره إسرائيل في تطوير قدراتها العمرانية (الاستيطان) والعسكرية، ليبقى الجيش الإسرائيلي في موقع التفوق على جيوش الدول المجاورة.
ثانياً: الإفادة من دعم الدول صاحبة المشروع الصهيوني والمستثمرة له، لابتزاز المواقف التي تسمح لإسرائيل وقياداتها لإحباط كل معارضة فلسطينية أو عربية أو دولية، وهذا ما سمح لإسرائيل بتجاهل كل الضغوط الخارجية واعتبارها (ضجيج بلا طحن) أو (ضجيج براميل فارغة).
وقد ظهر بوضوح ــ منذ مطلع العام 2010م تحديداً ــ أن إسرائيل قد وصلت إلى المرحلة الحاسمة التي لا تريد الوصول إليها، وهي: إقامة السلام على كل الجبهات، أو تحقيق السلام الشامل بين العرب وإسرائيل، وثانيها: إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، وثالثها: تسوية الحدود وإيجاد حلول للوضع النهائي (قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين، والاستيطان، والأماكن المقدسة ... إلخ)، ولذلك فقد عملت إسرائيل على الاتجاه المضاد، فأخذت في تطوير سياسة التهويد، وجعلت اعتراف الفلسطينيين والعرب بيهودية الدولة شرطاً مسبقاً للمفاوضات.
في الوقت نفسه أنكرت إسرائيل البحث في قضية العودة، التي هي حق شرعي أقرته الأمم المتحدة منذ العام 1948م، وانصرفت بعد ذلك للتعامل مع المقدسات، فأعلنت يوم 28 شباط/فبراير 2010م: «اعتبار المسجد الأقصى ومحيط مسجد بلال» من الأماكن الأثرية الإسرائيلية، وافتتحت يوم 15 آذار/مارس 2010م أكبر وأضخم كنيس يهودي إلى جوار المسجد الأقصى وعلى بعد أمتار قليلة منه، وجعلت قبته أكثر ارتفاعاً من قبة المسجد الأقصى إمعاناً في الاستفزاز، وهو كنيس الخراب، كما أطلقت عليه إسرائيل هذا الإسم؛ مع الإعلان عن إقامة كنيس كبير آخر في القدس الشرقية أيضاً.
وفي مجال الاستيطان، كانت إسرائيل قد أعلنت في 15 آذار/مارس 2010م عن موافقة الحكومة الإسرائيلية على بناء (1600) وحدة استيطانية في القدس الشرقية، وتبع ذلك الإعلان من بلدية القدس عن قرار يقضي بتدمير (فندق شبرد) في القدس الشرقية لتُقام على أنقاضه مئتا وحدة سكنية، لا علاقة لها بمخططات الاستيطان (إضافية أو تكميلية).
وقد أدى ذلك وسواه أيضاً ــ من الإمعان في مطاردة الفلسطينيين، وقمع تظاهراتهم الاحتجاجية، والاستمرار في إغلاق قطاع غزة ــ إلى وضع الوطن العربي ــ والعالم ــ أمام تحديات خطرة مهددة بتفجير حرب جديدة، ولكن ذات نتائج مجهولة في هذه المرة، فقد تغيّر العالم كثيراً عمَّا كان عليه في عقد التسعينيات من نهاية القرن الماضي، وهذا ما عبّر عنه الرئيس الأمريكي (أوباما) في عدد من المناسبات، ولكن إسرائيل وقادتها ــ التي لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ــ لم تشعر بعد بالمتغيرات.
يمكن بعد هذه اللمحة العجلى إلى قضية (السلام الإسرائيلي)، والتي دفعها (نتينياهو) إلى طريق اللاعودة، قراءة بعض التحولات الدولية، فعندما أطلقت المملكة العربية السعودية مبادأتها بالطلب إلى اللجنة الرباعية، وطلبت: «اتخاذ موقف حازم ضد العنجهية والاستعلاء الإسرائيلي» كان (نتينياهو) يطلق تصريحه يوم 23 آذار/مارس 2010م من (واشنطن) ليقول فيه: «ستتأخر عملية السلام عاماً آخر إذا ما أصرّ الفلسطينيون على تجميد الاستيطان في القدس». ويعني ذلك ببساطة إلغاء عملية السلام لا تأجيلها، ففي خلال هذا العام ستجرى انتخابات في الولايات المتحدة وسينصرف بعدها (الرئيس أوباما) للاستعداد للاتخابات القادمة، وبذلك يمكن تحريره من مسؤولية التزاماته وعهوده ووعوده للعالم (وللعرب والمسلمين بصورة خاصة)، كما أن هذا التأخير سيسمح لإسرائيل بتنفيذ مخططاتها في التهويد والاستيطان وسيسمح أيضاً بمزيد من الابتزاز وبمزيد من النهب والاستنزاف على أمل تجاوز كل القضايا الخلافية، والوصول إلى السلام الإسرائيلي.
لقد أرسلت المملكة العربية السعودية إلى اللجنة الرباعية ــ التي تضم: أمريكا، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة - طلباً باتخاذ موقف حازم للردع وللحدّ من العنجهية الإسرائيلية، وكان هدف الطلب يستند إلى المقررات التي اعتمدتها اللجنة عند اجتماعها في موسكو يوم 19 آذار/مارس 2010م وصدر عنها ما يلي: «تدعو اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط الحكومة الإسرائيلية إلى تجميد كل النشاطات الاستيطانية، والامتناع عن تهديم المنازل الفلسطينية، وطرد سكانها منها، وهي تدين الخطط الإسرائيلية لبناء وحدات استيطانية جديدة في القدس الشرقية، كما تؤكد أن ضم القسم الشرقي من مدينة القدس إلى إسرائيل أمرٌ لا يعترف به المجتمع الدولي، ويجب أن تحل قضية القدس عن طريق المفاوضات بين الأطراف المعنية، وينبغي أن تؤدي المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى تسوية بين الأطراف المعنية، بما ينهي الاحتلال الذي بدأ العام 1967م وظهور دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، تعيش بأمن وسلام، وأن تأسيس دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة هو مصلحة أساسية لجميع الأطراف المعنية، وللمجتمع الدولي. وفي هذا الصدد، فإنها تدعو جميع الدول إلي دعم وتأييد المحادثات بين الطرفين، وتعرب اللجنة عن قناعتها بأنه يجب على المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أن تؤدي في غضون 24 شهراً إلى تسوية تنهي الصراع القائم، وإلى قيام دولة فلسطينية مستقلة».
وجاء رد فعل إسرائيل سريعاً، فصرّح وزير الخارجية الإسرائيلي (ليبرمان) بقوله: «إن هذا الموقف للجنة الرباعية من شأنه أن يؤدي إلى تضاؤل فرص السلام مع الفلسطينيين؟!». وغريب أمر هؤلاء الذين ينتحلون صفة (صانعي القرارات الدولية) عبر ما منحته لهم الشرعية الدولية من دعم خلاله العقود الماضية، بحيث أصبح الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية أيضاً، بمثابة (رهن) في قبضة إسرائيل لابتزاز المجتمع الدولي بمجموعه. ويظهر أن قادة إسرائيل قد أعجبتهم هذه اللعبة وفتنوا بها ــ حيث أصبح العالم يتابع يومياً ما تفعله إسرائيل وقياداتها ــ وبحيث أصبح قادة إسرائيل نجوماً في عيون بعضهم بعضاً، حتى لو كان ذلك باستحواذهم على صفات مجرمي حرب، وخارجين على القانون الدولي والشريعة الدولية.
وتمثّل القدس نموذجاً لذلك، فهي في العرف الدولي ومنذ العام 1967م ــــ وطبقاً لما صدر عن مجلس الأمن من قرارات ــ تعتبر القدس مدينة تحت الاحتلال، ويعني ذلك امتناع إسرائيل عن إجراء أي تغيير في معالمها، وعدم المساس بالبنية السكانية، والتعامل مع السكان بموجب الاتفاقيات الدولية (اتفاقيات جنيف الشهيرة، وقرارات الأمم المتحدة)، وكان من المفروض أن يفهم قادة إسرائيل من هذا القرار وحده ما لم يحاولوا فهمه من قبل (عند صدور قرار المحكمة الدولية في لاهاي مثلاً) بعدم شرعية الجدار العازل ليعلموا أنه لابد يوماً من عودة حكم القانون.
يظهر من ذلك أن العالم لم يغيّر مواقفه ــ بما في ذلك صانعي القرارات الدولية، وأصحاب المشروع الصهيوني والمستثمرين له ــ إلاّ من خلال تغيير معادلات دولية كثيرة، أولها: عقم نتائج الحرب ــ وأمثولتها واضحة في العراق بعد أفغانستان وباكستان، علاوة على التجارب الإسرائيلية في لبنان وفلسطين ــ ومحاولات بحث الدول الكبرى عن السلام ليس مطلباً عربياً، بل يجب أن يكون مطلباً إسرائيلياً وعالمياً. وبذلك، وحتى لو نجحت إسرائيل ــ وهو احتمال ضعيف وغير متوقّع ــ في توجيه العالم نحو الحرب، (مثل تركيز إسرائيل على الحرب مع إيران لإبعاده عن مسيرة السلام بين إسرائيل والعرب)، فإن العالم والإرادة الدولية ستحتفظ بمواقعها التي وضعتها مسؤولة عن إنهاء الصراع والوصول إلى السلام.
ثانياً: أن إسرائيل في انتهاجها وتفجيرها للحروب قد أظهرت عجزها عن تحقيق أهدافها ــ منذ الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1973م ـــ وما كانت تجربة الجسور الجوية الأمريكية لإسرائيل إلاّ برهاناً على ضياع التوازن الاستراتيجي في المنطقة واحتمالات تحوّله في غير مصلحة الدول الكبرى، وقد شكَّل ذلك بدوره قناعة بأن إسرائيل تحت الحماية، لن تكون قادرة على ممارسة دورها الوظيفي، وقد تكون قادرة على تفجير الحرب، ولكنها لن تكون قادرة على تحقيق أهدافها، حتى لو كانت بحجة دعم أمريكا في حال خوضها حرباً ضد إيران.
ثالثاً: أن الوضع العربي والإسلامي قد وصل ــ نتيجة الممارسات الإسرائيلية ــ إلى حد تكوين (بركان حقيقي) قابل للانفجار في كل وقت، وقد يصعب حتى على الدول الكبرى السيطرة عليه، لاسيما إذا تسبب في ظهور حالات من الممانعة بين تلك الدول الكبرى ذاتها، أو حتى إلى صدام مجهول النتائج.
رابعاً: لقد تشكّل تيار عالمي مضاد للحرب، ويدعم السلام، وما التظاهرات الكبرى التي اجتاحت عواصم العالم الكبري، وأولها وأكبرها في (باريس، ولندن، وواشنطن، وروما، وموسكو، وبكين)، علاوة على عواصم الدول العربية والإسلامية، والتي رفعت مطالبها بوقف الاستيطان، وفتح معابر غزة، وإطلاق سراح الأسرى والأسيرات من الفلسطينيين، وتحقيق السلام، ما هي إلاّ تكرار لتلك التي عرفها العالم أيام حرب الجزائر والحرب الفيتنامية، والتي انتهت بتحقيق السلام، وطرد قوى الاستعمار من مستوطناتها ومستعمراتها.
إن إسرائيل وهي تتجاهل هذه العوامل وسواها، وتحدد شروطاً لا يمكن قبولها بهدف ابتزاز الفلسطينيين والعرب، لابد وأن تعرف أن مجرد قبول السلام معها هو تنازل فلسطيني وعربي غير مقبول، وقد تم فرضه بالقوة وأصبح واقعاً قائماً بحكم القوة، في حين أن إسرائيل عندما تتحدث عن تنازلات مؤلمة، فإنها لا تتنازل في الواقع إلاّ عن أرض استلبتها من أهلها ولا حق لها فيها، وأنها نهبت ثروات شعب هو أحق بها من الغراة الوافدين إليها، وبالتالي، فإن السلام الذي تريده إسرائيل لاستمرار سياساتها ما هو إلاّ سراب السلام، والعرب يعرفون كيف يتعاملون مع السراب الخادع الذي ينتظرون فرصة التغلّب عليه وهي فرصة قادمة.
2. الرهــان الخاسر
إن جنوح إسرائيل للحرب، ومعارضتها لتيار السلام، هو الرهان الخاسر الذي لم تتمكن القيادات الإسرائيلية بمجموعها من استخلاص دروسه، رغم فشل هذا الرهان بتحقيق مكاسب لإسرائيل منذ (حرب يوم الغفران، أو الحرب العربية الإسرائيلية 1973م)، وغريب ما في الأمر أن القيادة الإسرائيلية ــ آنذاك ــ عقدت مؤتمراً دولياً في (تل أبيب) دعت لحضوره نخبة اختارتها من قادة جيوش الدول الحليفة لإسرائيل والصديقة لها، إلى جانب خبراء وعلماء ومؤرخين وكتّاب وإعلاميين، وذلك بهدف استخلاص الدروس من هذه الحرب. وقد جرى في الندوات التي عُقدت عرض النواحي العسكرية السلبية، وأولها تجاهل إسرائيل لقدرات العرب وإمكاناتهم السياسية والعسكرية من خلال تمسكها بلاءاتها الثلاث بأن العرب: لا يتعلمون من تجاربهم، ولا يستطيعون الاتفاق على محاربة إسرائيل، ولا يمتلكون القدرة القتالية، فبرهن العرب أن اللاءات الثلاثة المقابلة التي طرحها العرب في مؤتمر قمة (الخرطوم) عام 1967م لمعالجة دروس انتكاسة حرب 5 حزيران/يونيو 1967م كانت هي الرهان الرابح، وكانت هذه اللاءات الثلاث هي: لا صلح مع إسرائيل، ولا مفاوضات، ولا سلام.
ثم جاءت سلسلة الحروب بعدها والتي شنّتها إسرائيل على لبنان، أولها حرب الليطاني 1977م، ثم اجتياح لبنان (عناقيد الغضب 1982م)، ثم قصف لبنان عام 1996م، وآخرها عدوان إسرائيل سنة 2006م. وصحيح أن إسرائيل بقدرتها العسكرية المتفوقة استطاعت في كل مرة تدمير لبنان، غير أنها لم تتمكن من تحقيق نصر عسكري، والأهم من ذلك أنها شكّلت براهين واضحة على عقم الحروب الإسرائيلية وفشلها في تحقيق السلام، وكان مثلها كمثل اجتياح (نابليون بونابرت) لــ (روسيا) سنة 1813م، ووقوفه على أبواب موسكو على أمل قدوم قيصر روسيا الامبراطور (ألكسندر) حاملاً له مفاتيح المدينة، فكان جواب القيصر هو إحراق موسكو، ولم يكن أمام (نابليون بونابرت) إلاّ الاعتراف بالهزيمة والانسحاب بسرعة للخروج من (مأزق الحرب).
وإذن، وحتى لو حققت إسرائيل بعض النتائج بتدمير لبنان، إلاّ أن خسائرها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسواها كانت بمثابة الزلزال الذي ضرب إسرائيل، وبالتالي فقد كان رهانها على كسب الحرب ــ في كل مرة ــ يحمل لها خسارة أكبر من خسارتها في حربها السابقة، ومع ذلك فقد استمرت القيادة الإسرائيلية في البحث عن رهان جديد للخروج من أزمتها عبر تهديداتها بالحرب ضد إيران. ولقد كان من أول دروس فن الحرب التي تعلمها الإنسان منذ أقدم العصور: أن الحرب حالة طارئة في حياة الشعوب هدفها الوصول إلى السلام الذي لم تتمكن الوسائل السلمية من تحقيقه. وبما أن إسرائيل متمسكة بخيار الرهان على الحرب، فإنها بذلك هي العقبة على طريق السلام، والتي لابد من إزالتها ليتحقق السلام.
وإذا كانت رهانات إسرائيل على كسب الحروب هي رهانات خاسرة باستمرار، فهل تستطيع إسرائيل خوض حرب ضد إيران؟ وهل يتساءل أحد من قادة إسرائيل عما سيحدث في المنطقة من لهيب كبير قد يحرق إسرائيل؟ أم أن القضية بمجموعها هي عملية توريط وخداع لأمريكا من أجل محاربة إيران وصرفها عن العمل لبلوغ السلام بين إسرائيل والعرب إنقاذاً لإسرائيل ولأمريكا. لقد تلقّت الإدارة الأمريكية تحذيرات متنوعة من أصدقائها العرب وتلقت أيضاً ما يشبه الإنذارات من حلفائها (الروس والصينيين)، وربما كان ذلك عاملاً في إقناع صانعي القرارات في البيت الأبيض التوقُّف عند حدود فرض العقوبات الاقتصادية والمالية والعلمية على إيران، وربماكان من المناسب هنا التوقّف عند نموذج من مثل هذه التحذيرات؛ ففي يوم 3 شباط/فبراير 2010م، صدرت صحيفة (الجارديان) البريطانية، وفي صدارتها مقالة كتبها (سيمسن ميلين)، كان مما جاء فيها: «إن زيادة الحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، وترويج رئيس الوزراء البريطاني السابق (توني بلير) للحرب ضد إيران، دليل على أن بريطانيا لم تتعلم من دروس حرب العراق، وأن لجنة (تشيكلوت) ــ التي شكّلتها بريطانيا للتحقيق في أسباب تلك الحرب ــ ليس لها أي معنى، إن الإشارات التي تنطلق من الشرق الأوسط تقرع طبول الحرب، حيث تقوم الولايات المتحدة بتعزيز وجودها البحري، وبنشر أنظمة صواريخ مضادة للصواريخ في عدد من الدول المجاورة لإيران. إن (توني بلير) رغم عدم إبدائه الندم أمام لجنة (تشيكلوت) على إراقة الدماء التي ساهم في إطلاق عنانها ضد الشعب العراقي، قام بتحويل ما يفترض بأنه استجواب قاسٍ له، إلى منصة للترويج للحرب ضد إيران التي ذكرها (58) مرة في معرض شرحه لضرورة التعامل معها، غير أن إيران ــ وهي على عكس الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا ــ لم تقم باجتياح واحتلال أراضي الآخرين ...».
لعل من المثير في مثل هذه المقالة هو أن سياسة الحروب البريطانية التي جاءت بإسرائيل، وسياسة الحروب الأمريكية لبناء امبراطورية عالمية، هي التي دعمت إسرائيل وضمنت تفوقها وأمنها على حساب القدرات العربية والأمن العربي؛ فسياسة الحروب الإسرائيلية هي بالتالي مجرد موروث واستنساخ لسياسات أمريكا وبريطانيا، ولكن بريطانيا خسرت امبراطوريتها عندما خاضت الرهان بشن الحرب على ألمانيا (النازية)، وخسرت أمريكا مكانتها وهيبتها المعنوية واقتصادها عندما راهنت على الحرب ضد العراق. علاوة على حرب أفغانستان وباكستان، فماذا ستخسر إسرائيل من رهانها على شن حرب كبرى ومجهولة النتائج إذا ما أطلقت شرارة الحرب ضد إيران؟
إن إسرائيل لا تخسر شيئاً إذا ما أخذت بسياسة الحروب التي تعلمتها من صانعي المشروع الصهيوني ومستثمريه، فلا الأرض التي استلبتها إسرائيل، ولا الخسائر الملازمة للحروب هي خسائر إسرائيلية، وحتى المرتزقة الذين تقتلهم الحروب لا علاقة لكثير منهم باليهودية أو بالمشروع الصهيوني، بل إن سياسة الحروب الإسرائيلية هي التي تقدم لها ما تحتاجه لبقائها وتطورها؛ فالتسلح الإسرائيلي هو مما تقدمه أمريكا لإسرائيل بمعدل (ثلاثة) مليارات دولار سنوياً منذ العام 1973م، يُضاف إليها مليارين عبر دعم الزراعة والصناعة والبناء. وإذن فتمويل المستوطنات ما هو إلاّ ثمرة الدعم الأمريكي الذي قدمته أمريكا لإسرائيل دون شروط.
أليس ذلك كله عاملاً مشجعاً لقادة إسرائيل للبحث دائماً عن الحرب بصرف النظر عن نتائجها وخسائرها ونكباتها؟ وهل تستطيع سياسة السلم أن تقدم لإسرائيل ما تقدمه سياسات الحروب؟ ومقابل ذلك، فإن أقاليم الوطن العربي ــ بشعوبها وقياداتها ومكوناتها وقدراتها وثرواتها ــ هي التي تدفع ثمن رهان الحروب الإسرائيلية، ذلك أن الشعوب العربية لم تكن بحاجة للدخول إلى دائرة سباق التسلح لولا الوجود الإسرائيلي العدواني على أرض فلسطين، ولم تكن أيضاً بحاجة لدفع أثمان ما تخلفه سياسات الحروب الإسرائيلية من دمار وقتل واستنزاف مادي.
ففي حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان، قدّرت قيمة حجم الدمار بمليار دولار، دفعها العرب من أموالهم وعلى حساب بناء مستقبلهم، علاوة على ما سببته الحرب من معاناة قاسية لشعب لبنان خلال الحرب 2006م.
وفي الحرب على غزة عام 2009م، قدّمت الدول العربية ما يمكن تقديمه للشعب الفلسطيني الذي تعرّض للنكبة، وفي اجتماع وزراء الخارجية العرب في (سيرت) بــ (ليبيا)، احتل بند مساعدة أهل القدس بمبلغ (500) مليون دولار الموقع الأول على قائمة المقترحات التي قدمها الوزراء يوم 25 آذار/مارس 2010م، لإقرارها في اجتماع القمة، الذي عُقد في (سيرت) يومي 27 و 28 آذار/مارس. وهكذا، ومع مرور كل يوم على الاحتلال، تفرض إسرائيل على العرب غرامات مستمرة ثمن رهان الحروب الإسرائيلية، فهل رهان الحروب الإسرائيلية من هذه الزاوية رهان إسرائيلي حقاً أم هو رهان أمريكي ــ أوروبي في إطار استنزاف الشعوب العربية والإسلامية؟
هنا تكمن المفارقة؛ فالعرب الذين يعملون على إعمار الوطن العربي وبناء قدراته وتطويره علمياً وتقانياً بقدراتهم الذاتية، يعملون في الوقت ذاته على محاربة الرهانات الحربية الإسرائيلية التي ينحصر دورها في الحروب والقتال وتدمير الآخرين، ومن هنا حدّد العرب هدفهم بالتعاون مع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تحمّل مسؤولياتهم تجاه كل الممارسات الإسرائيلية، وللحدّ من العنجهية الإسرائيلية التي لا تستند إلى أي قاعدة، إلاّ قاعدة غرور القوة وطغيان الدعم الأمريكي، إلى جانب دعم دول المشروع الصهيوني ومستثمريه.
3. التحـولات العالمـية
على ضوء ما سبق عرضه، فإنه قد يكون من الصعب توقُّع ظهور قيادة إسرائيلية تريد السلام أو تعمل من أجل السلام، والالتزام بالمتطلبات الفلسطينية التي تضمن تحقيق السلام. ولعل استعراض كل المواقف الإسرائيلية والبيانات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية على امتداد (45) سنة من عمر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والجولان، وقطاع من لبنان منذ عدوان 1967م، كانت فترة زمنية كافية لمعرفة وكشف كل الأطماع والنوايا والأهداف الإسرائيلية، مما يسمح بتأكيد حقيقة ثابتة وهي: أن المجتمع الدولي الممثل بالدرجة الأولى بالدول الكبرى، والأعضاء الثابتين في مجلس الأمن، وعلى مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية يتحملون كامل المسؤولية عن إيجاد المخرج الصحيح للوصول إلى اتفاقية سلام بين أبناء فلسطين وإسرائيل، وبين إسرائيل والبلاد العربية التي احتلت إسرائيل جزءاً من أراضيها لتكون أوراقاً للمزاودة والمساومة والابتزاز، فإسرائيل ــ التي أُقيمت على قاعدة اتفاق الدول الكبرى ــ يجب لها أن تنصاع وتخضع لإرادة الدول الكبرى، ولقد سبقت الإشارة إلى بيان اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط يوم 91 آذار/مارس 2010م، وهو يضم مجموعة من الفقرات التي تصلح قاعدة للانطلاق نحو السلام.
وفي مقابلات الرئيس الأمريكي (أوباما) وكبار مساعديه رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتينياهو) حقيقة عدم استعداده للذهاب بعيداً في استجابته لطلبات أمريكا من أجل التعامل مع قضية السلام ومع المتطلبات الدولية بالجدية المطلوبة، ولم تكن هذه الصفعة القاسية الإسرائيلية على وجه (أوباما) والعاملين في إدارته موجهة لأمريكا وحدها، وإنما لكل من يمثلون المجتمع الدولي، بل لكل شعوب العالم وقياداته الرغبة في السلام، والحريصة على تحقيق الاستقرار والأمن في كل العالم. ويستطيع المجتمع الدولي الاستناد إلى مجموعة من الخيارات المتوافرة وأهمها:
أولاً: مشروع السلام العربي الذي أقرته الجامعة العربية بكل أعضائها في القمة العربية في (بيروت) وقدمه الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ــ ملك المملكة العربية السعودية ـــ واعترفت به كثير من دول العالم، وهو يضمن تحقيق قيام دولة فلسطينية قادرة على البقاء.
ثانياً: خارطة الطريق التي لم تحرص الولايات المتتحدة على متابعة تنفيذها بتأثير رفض ومقاومة القيادة الإسرائيلية تنفيذ متطلباتها والتي كانت تنص فيما تضمنته قيام دولة فلسطينية والتوقيع على معاهدة سلام فلسطينية ــ إسرائيلية في العام 2005م، ويظهر أن عامل الزمن وما حدث من تطورات عالمية وقارية قد تجاوزت بنود هذه الخارطة الأمريكية.
ثالثاً: الأخذ بالقرارات الدولية الملزمة: قرارات الأمم المتحدة وأولها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم، وترسيم الحدود بين إسرائيل وفلسطين، والمبادئ المتعلقة بضمان الأمن للعرب وإسرائيل، وتبادل الاعتراف بوجود الدولتين، وقضايا المياه، وبقية القضايا التي يمكن التفاوض بشأنها.
رابعاً: التعامل مع قضية الأماكن المقدسة؛ وتجدر الإشارة إلى ما قد صدر من مواقف دولية سابقة عن وضع الأماكن المقدسة في مدينة القدس تحت إشراف دولي، بحيث تبقى المدينة مفتوحة أمام الجميع، ومراعاة تكوينها السكاني (الديموغرافي) والديني، والعمراني، والاقتصادي، والأمني.
خامساً: تحديد برنامج زمني لتنفيذ القرار الدولي ضمن فترة زمنية محددة، وفرض عقوبات رادعة ضد كل محاولة لإعاقة تنفيذ القرار الدولي لتحقيق السلام، وتشكيل هيئة دولية لمتابعة التنفيذ بصورة يومية.
سادساً: الانتقال إلى وضع برنامج دولي مماثل، لإلزام إسرائيل بالانسحاب من مرتفعات الجولان المحتلة، والقطاع المحتل من جنوب لبنان.
سابعاً: قد يكون من المتوقع إلزام إسرائيل بدفع تعويضات وغرامات لمن تم تهجيرهم من فلسطين منذ سنة 1948م وما تبعها حتى تاريخ توقيع معاهدة السلام على نحو ما تتضمنه معاهدات السلام التي يتم عقدها بعد الحروب، وكذلك إلزام إسرائيل بالتعويض عن احتلالها لأقسام من البلاد العربية المجاورة، وليس ذلك إلاّ من أجل تحقيق العدالة، ومن أجل ردع كل من يفكر باحتلال بلاد أخرى بأنه لابد من دفع ثمن العدوان.
ولكن، وبما أن الدول الكبرى ــ وفي مقدمتها أمريكا ــ هي التي تدفع المغارم والإتاوات لإسرائيل، التي لا تملك القدرة للوفاء والعطاء، فإن هذا البند قد يشكّل موضوعاً للجدل، وقد يكون من الصعب توقّع الموافقة عليه. لاريب أن تقديم مشروع متكامل لتحقيق السلام بين العرب وإسرائيل قد يشكّل ضرورة لابد من فرضها على إسرائيل للخروج من دائرة تعثّر السلام في المستنقع الإسرائيلي، ولا ريب أن تقديم مثل هذا المشروع يصبح قريب المنال إذا ما تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية، أو مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، أو اللجنة الرباعية، أو أية دولة يمكن لها ضمان إقراره وتملك القدرة على تنفيذه، وسيشكّل ذلك إنجازاً رائعاً وتاريخياً لمن سيتمكن من تجاوز الرفض الإسرائيلي.
لاريب أيضاً أن مثل هذا الإنجاز ــ رغم ما قد تظهره القيادة الإسرائيلية من الرفض والمعارضة - سيساعد إسرائيل على الخروج من عزلتها، وسيرغمها على إلغاء التفكير بمشاريعها التي تجاوزها الزمن ــ كالاستعمار والهجرة والاستيطان ــ وسيلزمها بالتالي بالاعتماد على قدراتها الذاتية لتعيش مثلها كمثل فلسطين وكمثل كل شعوب الأرض.
4. ما بعد السلام
تبقى هناك مشكلة ما بعد السلام، فلقد عاش شعب فلسطين على امتداد قرن من عمر الزمن في صراعات ونزاعات وحروب واقتتال وتشرد وحرمان وأنواع من المعاناة التي ما عرفت شعوب الأرض مثيلاً لها، كما عاشت الشعوب العربية خلال قرن كامل تحت أقسى الظروف والحرمان ومعوقات التطور والتقدم بسبب انصرافها للتسلح وممارسة سياسات الحروب ومواكبة حركات التحرر والاستقلال، ولم يكن باستطاعتها على كل حال عدم مواجهة التحديات بغير الاستجابات الصحيحة التي تحمي وجودها وأصالتها. وقد تمضي أجيال قبل أن تتراجع حالة العداء التي خلّفها الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، وما اقترن بذلك من مواقف غربية ودولية، ويفرض ذلك بالضرورة إعادة النظر في السياسات الفلسطينية والعربية التي أصبحت تشكّل نموذج الأزمنة المعاصرة في العلاقات الداخلية والعربية والدولية؛ إذ لابد من اعتماد سياسة طالما تطلعت إليها أنظار شعوب المنطقة الراغبة في الوصول إلى شاطئ الأمن والسلام والاستقرار، لبناء المستقبل الأفضل للأجيال القادمة.
إن المسؤولية هنا لمجابهة تحديات سلام ما بعد الحرب هي مسؤولية إسرائيلية وليست عربية، فثقافة السلام ومتطلبات التعايش، لابد وأن تنطلق من الجانب الإسرائيلي، ولابد من إقناع الجانب الإسرائيلي بانحرافاته وأخطائه وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. وهناك ثمة مجموعة كبري من النقاط التي لابد من التوقُّف عندها، وأهمها:
أولاً: إعادة بناء القدرات الذاتية للوطن العربي: فلقد استنزفت الحروب العربية ــ الإسرائيلية القدرة الاقتصادية في عدد من الأقاليم العربية، ولابد من إعادة بناء مخططات جديدة تضع في اعتباراتها أهمية التوازن الاقتصادي وضرورات الاعتماد على قواعد اقتصادية قوية ومتماسكة. ومعروف أن القاعدة الاقتصادية هي الأساس في بناء القدرة الذاتية، ولكن هذه القدرة الذاتية تضم مكونات كثيرة، أولها القدرة البشرية، والقدرة العلمية والتقانة، وصلابة الجبهات الداخلية العربية ... إلخ. وبإيجاز، فإن اقتصاد السلم القوي هو القادر على تطوير القدرة الذاتية في الحرب.
ثانياً: الاستعداد الدائم للحرب: وتلك حقيقة متوارثة من أقدم العصور، غير أن تطبيقها يختلف بحسب مكونات الحرب ذاتها، وظروفها الإقليمية والقارية والدولية، وفي وضع الوطن العربي في ظروفه الراهنة، وفي تطلعاته للسلام، لابد من الأخذ بخلاصة تجربة الصراع العربي ــ الإسرائيلي، وهي أن أقاليم الوطن العربي تشكّل مجموعة متكاملة، وأن رياح التحديات لا تنطلق من حدود فلسطين، وإنما من خارج الآفاق البعيدة، ومن وراء البحار والمحيطات، وعلى هذا، فإن ابتعاد أي قطر عربي عن المجموع العربي يشكل حالة ضعف خطيرة تثير شهية القوى الطامعة بالسيطرة على الشعب العربي ووجوده وثرواته، والقرار العربي الواحد هو الذي يمتلك القدرة لحماية الشعب العربي بمجموعه، وهل كانت حالة عدم الاستقرار والحروب لتجتاح فلسطين، ولبنان، والعراق، واليمن لولا الانقسامات الداخلية وحالات التفتت العربي؟ وهل عرف التاريخ أمة هُزمت إلاّ بسبب انقساماتها؟
ثالثاً: ويظهر من ذلك، أن إعادة تنظيم القدرات العربية لمجابهة تحديات السلام، قد يلزم الدول العربية ببناء استراتيجية دفاعية واضحة ومتكاملة تحقق تخفيف الأعباء العسكرية القطرية لمصلحة زيادة هذه الأعباء على الصعيد القومي، ومثال ذلك: منظمة دول مجلس التعاون الخليجي، التي أصبح باستطاعتها تكوين (درع الجزيرة) بفضل جهدها الإجماعي الذي أدى إلى زجّ مجموعة القدرات لكل دولة من الدول لمصلحة خطة عمل المجموع.
رابعاً: لقد اتخذت (قمة دعم صمود القدس) قراراً بتقديم (500) مليون دولار لمساعدة المقدسيين على الصمود والمقاومة، غير أن هناك بنوداً أخرى خلافية لم يتم الاتفاق عليها، مثل اتخاذ موقف عربي واحد من إيران وسياساتها التي شكّلت عامل عدم استقرار في كثير من أقاليم الوطن العربي. ويمكن اعتبار عدم اتخاذ مثل هذا القرار بمثابة ظاهرة خطيرة، فقد يعني ذلك إقفال جبهة الصراع العربي ــ الإسرائيلي من أجل فتح جبهة للصراع العربي ــ الإيراني، حيث تجاوزت التحديات الإيرانية حدود (حسن الجوار) لتضع الجوار في حالة عدم استقرار. ولابد بالتالي من التحرّك بصراحة ووضوح للتعامل مع أخطار التحديات القادمة بمخططات عربية إجماعية ومتكاملة وملزمة، وإذا لم يحدث ذلك، فلابد من التحرّك قدماً في الاستعداد لمواجهة المجاهيل المتوقعة، وإسقاط كل من يخرج عن مبدأ الطاعة للجماعة، ولمبدأ وحدة القيادة ووحدة القرار.
خامساً: لقد تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية (عمرو موسى) في اجتماع (قمة دعم صمود القدس) التي عُقدت في (سرت) بــ (ليبيا) يوم 26 آذار/مارس 2010م، فحذّر من احتمال فشل عملية السلام، وضرورة اعتماد خطط بديلة. ومن المؤكد أن احتمال فشل جهود السلام والوصول إلى تسوية للصراع العربي الإسرائيلي ــ رغم الاتفاق الدولي على دفع عملية السلام إلى نهايتها، ورغم توافر كل الظروف الدولية والعربية لتحقيق معاهدة سلام في المنطقة ــ هو احتمال لا يمكن تجاهله، ولا يمكن عدم الاستعداد له، فقادة إسرائيل، وعلى رأسهم (نتينياهو)، قد عرفوا بأساليبهم في الغدر والتنكّر للاتفاقيات والمعاهدات، وإحباط كل جهود السلام، وفي الواقع فإن التجربة الحديثة في العمل على محور السلام ـــ منذ بداية عهد الرئيس الأمريكي (أوباما) في الحكم ــ مع مطلع عام 2009م وحتى اليوم، قد تعتبر التجربة الأخيرة، والتي لن تقدم لإسرائيل وقيادتها ما تريد ابتزازه واستلابه عبر التصلّب لتحقيق مكاسب لمصلحتها، سواء كانت هذه المكاسب على حساب العرب أو حتى أمريكا، وقد تجد القيادات العربية نهجاً بديلاً وناجعاً عبر تطوير الصراع السلمي، أو قد تجد أن الخيار الوحيد هو الحرب