رعاية أسر الشهداء في المملكة العربية السعودية الكلية تحتفل بتخريج دورة جديدة من الضباط الجامعيين ودفعة من طلبة الكليةالكلية ومسيرة النجاح المستمرالمملكة والعبور إلى المستقبلخادم الحرمين الشريفين قام بزيارة تاريخية للبحرين وأهدى شعبها مدينة طبية متكاملة.خادم الحرمين الشريفين يتفقد أحوال المواطنين واحتياجاتهم في المنطقة الشرقيةالرياض استضافت الاجتماع التشاوري لقادة دول مجلس التعاون الخليجيالأمير متعب بن عبد الله يطلق منطاد (ملك الإنسانية)الأمير متعب بن عبدالله يوقع على مشروع كرسي سموهنيابة عن الأمير متعب بن عبد الله نائب رئيس الحرس الوطني المساعد يكرّم المشاركين في المهرجان الوطنياللواء عيسى بن إبراهيم الرشيد في حديث لـ المجلةالضابط وتطوير الذاترؤية ملكالسلام الإسرائيلي عقبات وأزماتالتجسس الفضائي: عيون إسرائيل تلاحق العرباتفاقيات الحد من التسلح النووي والعقبات المستمرةماذا بعد قمة الأمن النوويأهمية الجغرافيا العسكرية كخلفية علمية للجيوستراتيجيةهل تغيّرت سياسة روسيا تجاه الأزمة النووية الإيرانيةالمباريات الحربية ودورها في تطوير الاستراتيجيات والتكتيكالصواريخ الموجهة جو / جوطرق دراسة الحرب النفسيةدور القائد في تعليم مرؤوسيهالنقل وأثره في دعم البعد الاستراتيجي للإمداد والتموينالقوة الخشنة والقوة الناعمةأهمية البرامج النووية للدول العربيةأزمة الانتشار النووي في العالم دور المواطن في مواجهة الكوارث والأزمات في عصر المعلوماتثمـرة التجــربةاختتام دورة استخدام الحاسب الآلي للضباط في الأعمال الإدارية في هذا العدد
101 رقم العدد :
01/06/2010 تاريخ العدد :
تقارير
البحث في المجلة
بريد المجلة
تقارير
رابطة الجوار العربي بين الطموحات والتحديات
على المليجي على
اقترح الأمين العام لجامعة الدول العربية - خلال القمة العربية التي انعقدت بمدينة (سرت الليبية) في شهر مارس 2010م -إنشاء رابطة الجوار العربي، تضم دول الجامعة العربية، بالإضافة إلىدول الجوار العربي، وطلب من القادة العرب موافقتهم على الفكرة، على أن يتم البدء بتركيا لتشكّل نواة هذه الرابطة، مشيداً بالتطور في السياسة الخارجية التركية، واقترح الأمين العام إطلاق حوار عربي مع إيران، يتحدد - بناءً على نتائجه - الموقف من انضمام إيران إلى هذه الرابطة، وأشار إلى أن الدول الأخرى المجاورة للمغرب العربي بحاجة إلى نظرة مواكبة،ونصّ الإعلان الصادر عن أعمال القمة على أن يقدم الأمين العام ورقة عمل حول المبادئ المقترحة، والآليات المناسبة في هذا الشأن، والتي تضمن تطوير الروابط، والتنسيق في إطار رابطة جوار عربية، على أن يتم عرضها على الدورة العادية للمجلس الوزاري للجامعة في شهر سبتمبر القادم، تمهيداً لعرضها على القمة العربية الاستثنائية التي اتفق على عقدها في موعد غايته أكتوبر 2010م(1).
وهذه المقالة ترصد الملامح العامة للمنطقة في ظل ما جرى على ساحتها من متغيرات وأحداث، ثم تستعرض مضمون الجوار التركي باعتباره نواة الرابطة المقترحة، كما تتناول مضمون الجوار الإيراني الذي يبقى موضع حوار عربي - إيراني للنظر في القضايا العالقة، ثم تتناول مفهوم المبادرة ومضمونها، وما تثيره من قضايا.
أولاً: التطورات التي لحقت بالنظام الإقليمي العربي

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط ـــ التي يشكّل الوطن العربي محورها الرئيس ـــ في مقدمة المناطق التي مازالت تعاني من الاضطرابات وعدم الاستقرار، وتعثّر النمو الاقتصادي، وتكرار وقوع الحروب الإقليمية في محيطها الجغرافي وعلى حدودها القارية، ويرجع ذلك إلى انتشار مختلف أنواع الصراع والنزاع بين عدد من دول المنطقة، ثم بين بعض هذه الدول وعدد من الدول الكبرى، التي تسعي إلى ربط المنطقة باستراتيجيتها العالمية، بحجة المحافظة على الأمن والاستقرار وحماية مصالحها الحيوية وأهدافها القومية. وتوجد عوامل كثيرة ومتباينة تساعد على استمرار حالات الصراع ، بعضها جوهري ودائم، كما هو الحال بالنسبة لمشكلة الصراع العربي ــ الإسرائيلي، والبعض الآخر ثانوي ومؤقت، كأسباب النزاع الثنائية بين بعض الدول العربية، ودول الجوار الإقليمي(2).
وفي إطار هذه الصراعات، جرت عدة حروب، أقربها تلك الحروب الثلاث التي جرت في أقل من ست سنوات (2003 ـــ 2009م)، وهي: الحرب الأمريكية على العراق، والحرب الإسرائيلية على لبنان، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، فهذه الحروب الثلاث تبدو كفيلة بقلب الموازين وإعادة ترتيب الأدوار والأوضاع، وطمس ما بقي من معالم النظام الإقليمي القديم. وفي هذا السياق، لن يصبح غريباً أن تسعى قوى إقليمية ناشئة ـــ مثل تركيا وإيران ـــ ليس فقط باتجاه تحقيق التوازن مع إسرائيل، وإنما للحلول محل قوى عربية وإنهاء تفوقها الإقليمي، وأصبحت الملامح العامة للشرق الأوسط الجديد ــ كما يراها جانب من المحللين ــ تتمثل في الآتي(3):
1. انتقال مركز الثقل في تفاعلات النظام الإقليمي من القلب إلى الأطراف (تركيا ــ إيران)، ومن ثم تحوّلت التفاعلات الرئيسة في المنطقة إلى تفاعلات غير عربية.
2. حدوث تحولات في منظومة الأمن الإقليمي، وهي تحولات تجسّد عملياً انتهاء (الأمن الإقليمي العربي)، كي تحل محلها أطروحة الترتيبات الأمنية الثنائية.
3. تحوّل أنماط الدولة النموذج (القائد) من المحيط العربي إلى نظيره الإقليمي، وهو ما تجسّده بوضوح حالياً إيران وتركيا، الأولى لا تعرض نفسها على الشعوب العربية كقوة إقليمية تسعى للهيمنة، بقدرما تلبس عباءة المدافع عن القضايا والحقوق العربية، أما تركيا فلا تقدم نفسها باعتبارها قوة إقليمية ناشئة تسعى لمد نفوذها إلى صديقتها الخلفية، وبخاصة في ظل الأبواب الأوروبية الموصدة أمامها، وإنما باعتبارها صديقاً نزيهاً يعبأ بحال الضعف والهزال العربي.
4. التحوّل في طبيعة العدو، بما يعني انتهاء أطروحة العمل الجماعي مقابل سياسة المحاور، فبعد أن حملت إسرائيل لقب العدو الأوحد دون منازع، ثمة تحولات جذرية في جانب من الوعي الرسمي العربي لإعطاء هذا اللقب لقوى إقليمية جديدة.
وعلى الرغم من أهمية وجود دور عربي إقليمي فاعل على ساحة المنطقة، ليكون عنصراً مؤثّراً في حسابات القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وليضبط حركة الأدوار الإقليمية غير العربية على الساحة العربية. إلاّ أن من الواضح أن تحقيق هذا الدور بالشكل والمحتوي الجماعي المطلوب تحيطه عقبات سياسية وأمنية يمكن إيجازها فيما يلي(4):
1. أن الدول العربية لا تملك مشروعاً سياسياً يبلور رؤيتها للمنطقة، ويحدد أهدافها ومصالحها الجماعية على ساحتها، ويضع إطاراً واضحاً لأمنها القومي، ويضبط علاقاتها الإقليمية والدولية، ويحكم حركتها الجماعية، ولذلك تُركت المنطقة العربية أرضاً فضاءً تتنافس عليها المشروعات الدولية والإقليمية.
2. انقسام الآراء والمواقف التي تصل إلى حد التناقض أحياناً بين السياسات العربية، نتيجة تعدد التوجهات وتنوّع الأهداف، وتضارب المصالح، وتباين الاهتمامات، وهو ما يعتبر محصلة طبيعية لاختلاف ظروف الدول العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وربط هذه التناقضات بمصالح خارجية، بحيث أصبحت محلاً لاستهدافها استثماراً وتوظيفاً، بحيث أصبح من الصعب تجاوزها أو حصارها أو التوفيق بينها.
3. اختلاف الرؤى بين السياسات العربية حول أولويات القضايا ومصادر التهديد الأمني، واتجاه التحالفات الخارجية، وذلك اتصالاً باختلاف المواقع الجغرافية، والتجارب التاريخية، والمصالح الأمنية والاقتصادية لكل منها، ومن هنا كان تباين هذه السياسات في تقويم الأوضاع في المنطقة واختلاف انعكاساتها على مواقفها من القضايا الاستراتيجية العربية.
4. تباين مواقف السياسات العربية من فكرة الأدوار الإقليمية من أساسها، حيث لا يرتاح بعضها إلى مخاطر هذه الأدوار وأعبائها، والبعض الآخر لا تشغله هذه الأدوار في ضوء أزماتها الحياتية اليومية، فيما يفضّل آخرون التحرك في إطار تحالفات إقليمية، وتسوية قضاياها في حوارات غير عربية.
5. عدم مباركة الولايات المتحدة ظهور دور إقليمي عربي جماعي فاعل على الساحة العربية، توجُّساً من احتمال اتجاهه إلى وجهة لا تتفق مع مصالحها في المنطقة أو تتلاءم مع دور إسرائيل فيها.
وهكذا، تواجه المنطقة العربية تحديات مختلفة يحتاج التغلُّب عليها إلى إحداث تغييرات جذرية في العلاقات العربية ــ العربية أولاً، بحيث تقوم هذه العلاقات على التضامن والاحترام والالتزام بالقضايا القومية لبناء قوتهم القومية الواحدة، وثانياً إعادة تقويم علاقاتهم مع دول الجوار الإقليمي بما يحقق التفاهم والحوار والتعاون مع هذه الدول، وأخيراً أن يقيموا علاقاتهم الدولية على أساس تبادل المصالح المشتركة لخدمة القضايا العربية.
ورغم النداءات المخلصة والمبادرات الطيبة التي قدَّمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من خلال المؤتمرات العربية، ومؤتمرات مجلس التعاون الخليجي، والداعية إلى لملمة الصفوف، والحدِّ من الانقسامات والتشتت والتشرذم العربي، وبخاصة في القضايا الملحة، إلاّ أن البعض أدار ظهره لهذه المبادرات التي أحرزت بعض النجاحات، رغم السهام المغرضة التي وُجّهت لها من أعداء النجاح، وهم ـــ للأسف ـــ كُثر في عالمنا العربي الكبير.
ثانياً: الجوار التركي الإيراني

تتحرّك تركيا وإيران في الساحة العربية بحكم أنهما دولتان أصيلتان وعريقتان في المنطقة، يتشاركان مع الدول العربية فضاءً ثقافياً واحداً، وجزءاً من تاريخهما، وهناك مشتركات كثيرة بين السياسة التركية والسياسة الإيرانية تجاه الدول العربية، كما أن بينهما جوانب اختلاف جوهرية، وهو ما سنفصله فيما يلي:
1 ـ الجــــوار التـــركــي

تكاد تكوّن تركيا القوة الإقليمية الوحيدة التي يتمدد دورها ويكبر نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، خصماً من حساب قوى أخرى في الإقليم، فلتركيا تماس جغرافي ـــ عبر حدودها البرية ـــ مع العراق وسوريا، وجوهر المشروع الأساسي تجاه المنطقة، في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية، هو تقديم النموذج في بيئة إقليمية تفتقر إلى مثل هذا المشروع، خصوصاً وأنها أكبر اقتصاديات الشرق الأوسط، والدولة السابعة عشرة عالمياً من حيث كبر حجم الاقتصاد، أما أهداف السياسة الخارجية لتركيا ـــ وفقاً لرؤية وزير خارجيتها (أحمد أوغلو)، وحسب نظريته (العمق الاستراتيجي) ـــ فتتلخص بالآتي(5):
السعي لخلق دور إقليمي لتركيا يرسي النظام في الشرق الأوسط والبلقان، بحيث تتحول إلى قوة عظمى إقليمية.
تحقيق درجة عالية من الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع دول الجوار.
ضمان أمن تركيا القومي واستقرارها، عبر تطوير دور أكثر فاعلية، لتوحيد النظام والأمن والاستقرار في النظم المحيطة بها.
جذب انتباه شركاء تركيا في الشمال، وتحديداً في (بروكسل)، إلى أهمية الدور التركي وإمكانية استفادة الاتحاد الأوروبي من إمكانات (أنقرة) المتعاظمة لتعزيز دور الاتحاد الأوروبي عالمياً، ومن ثم فلابد من تحوّل تركيا إلى قوة عظمى إقليمية تثير اهتمام الأوروبيين لضمِّها للاتحاد الأوروبي بدلاً من تركها ــــ منذ عام 1960م وحتى الآن ـــ تستجدي الانضمام للنادي الأوروبي.
ولذا، فإن الحراك السياسي التركي النشط يُعدّ، في نظر المراقبين، رسالة إلى الأوروبيين أن تركيا ضرورة لهم في الشرق الأوسط، وأن أي استقرار تنشده أوروبا في المنطقة غير ممكن من دون مساعدة تركيا القادرة على التواصل مع جميع الأطراف، وتسوية الكثير من الملفات الشائكة. أما الأوجه الآخرى لهذه الرسالة، فهو استفزاز أوروبا وابتزازها في حال رفض السعي التركي في الانضمام للاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيعيد تركيا إلى ماضيها الإسلامي بما ينطوي عليه من تداعيات.
أ. أسباب تنامي الدور التركي في المنطقة

من خلال السياسة التركية تولَّدت الأسباب التي أوجدت لتركيا دورها في المنطقة، وفي مقدمة هذه الأسباب: الفراغ الكبير الضارب بأطنابه في المنطقة بعد ما أصاب النظام الإقليمي العربي بفعل احتلال العراق، كما أن لعب هذا الدور يتم بغطاء وتأمين من الولايات المتحدة، فضلاً عن أن التكاليف السياسية لامتداد تركيا في المنطقة أقل بكثير من العائد السياسي الذي تجنيه، ثم إن الشرق الأوسط هو المجال الجغرافي الوحيد في جوار تركيا الذي يمكنها فيه لعب دور إقليمي دون الاصطدام بقوى عالمية، هذا بالإضافة إلى أن لتركيا صورة إيجابية عند شرائح عربية واسعة، استناداً إلى الدروس التي قدمتها في السياسة الداخلية التركية وسياستها ومواقفها الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار أن لها تاريخاً مشتركاً وتقارباً ثقافياً وحضارياً مع العرب.
وإلى جانب هذه الأسباب الموضوعية، هناك أسباب ذاتية للعب دور إقليمي تركي في المنطقة، يقوم على أساس المصالح الوطنية، باعتبار المنطقة العربية سوقاً ممتازة للسلع التركية، ومصدراً مهماً للطاقة التي يتزايد الطلب التركي عليها، ثم المصالح الأمنية التي تعني المشاركة في تحديد الأجندة الإقليمية والوصول بخطوط الدفاعات التركية إلى أبعد نطاق ممكن من أراضيها، كما وأن من شأن هذا الدور أن يؤدي إلى تحسين صورة تركيا لدى الاتحاد الأوروبي الذي يتعنت في قبولها بسبب الاعتبارات الثقافية والدينية. ومع كل ذلك، لا يمكن إغفال التأثير الذي لعبه وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في توجيه السياسة الخارجية التركية(6).
ب. مرتكزات التحرّك التركي في المنطقة

يرتكز التحرّك التركي في المنطقة على ثلاث آليات رئيسة هي(7):
الخطاب المعتدل، الذي يحترم الآخر ويهدف إلى مخاطبة العقل، ويحافظ على التوازن المطلوب بين الحقوق المشروعة والموقف المبدئي من القضايا المطروحة، ويعزز هذا النوع من الخطاب عامل الثقة المطلوب توافره في الدور الذي تقوم به تركيا على مساحة المنطقة بأكملها.
التركيز على دور الوسيط، فالدور التركي في المنطقة لا يسعى إلى زعامة، وإنما لإيجاد فضاء متماسك يؤمّن مصالحه، وهو في هذا الإطار لا يسعى إلى نزعة هيمنة بالقوة أو التداخل رغماً عن رغبة الطرف الآخر، ولذلك فإن الدور التركي يكتسب شرعيته من الأطراف المتنازعة مباشرة وبمباركة منها.
زيادة القوة الناعمة بهدف جعل تركيا نواة الدول الساعية للارتقاء إقليمياً من دون انتهاج المنهج الصدامي، وهذه الطريقة تؤدي إلى أن يأتي الارتقاء الإقليمي الجيوــ سياسي لتركيا منسجماً مع طبيعة المنطقة وإرثها، ويستمد قوته من النهج الإصلاحي الداخلي على الصعيدين السياسي والاجتماعي، مع التركيز على الإنجازات الاقتصادية للبلاد والقوة التي وصلت إليها في هذا المجال، وأيضاً من المنهج الانفتاحي الخارجي على الصعد نفسها تاريخياً أو قومياً، أو عبر فرض نفسها بالقوة على الآخرين.
نجاح تركيا في اختراق الخلافات.
جــ . مظاهر النجاح التركي في المنطقة

مما يدعو للدهشة والإعجاب معاً أن تنجح تركيا في عدد من الأمور:
ارتباطها بعلاقات قوية مع كل من مصر وسوريا، برغم الجفاء السائد في علاقات الدولتين، على الرغم من أن القاهرة هي التي كسرت حائط الجليد في العلاقات التركية ــ السورية من خلال وساطة حميدة منعت حرباً وشيكة كان يمكن أن تقع بين الجارتين تركيا وسوريا.
تمكُّن تركيا ــ خلال سنوات قليلة ــ من أن تكيّف أوضاعها مع إيران، برغم ميراث العداء القديم بين الدولتين الصفوية والعثمانية، والتنافس على التقارب مع جمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة.
رغم ما مرّت به العلاقات التركية ــ الإسرائيلية من توتّر في الآونة الأخيرة، لاتزال تركيا هي الوسيط المفضّل من جانب السوريين والإسرائيليين في أي مشروع سلام يمكن أن يتجدد بينهما.
توقيع أكثر من (20) اتفاق تعاون تركي مع العراق في كل المجالات، وإبداء (أنقرة) استعداداً متزايداً في التعامل مع فيدرالية الحكم الذاتي في كردستان.
وبسبب نجاح الأتراك في تطبيع علاقاتهم مع جميع القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط على مدى الأعوام الثمانية الماضية، توسعت مصالح تركيا ولعبت الدبلوماسية التركية أدواراً مهمة أحياناً في العلن، وأحياناً من وراء ستار، لإقناع دمشق بأهمية مساندة جهود التهدئة بين حماس وإسرائيل، وفتحت تركيا نافذة للحوار بين طهران وواشنطن، برغم إغلاق باب التفاوض المباشر حول مشروع نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا وفرنسا، وتحاول تركيا استكشاف فرص تحقيق مصالحة بين مصر وسوريا، ويتزايد طموح الدبلوماسية التركية ــ التي تمكنت من خفض خلافاتها مع كل القوى الإقليمية في الشرق الأوسط إلى درجة الصفر ـــ إلى حد التفكير في إنشاء منطقة أمن مشترك في الشرق الأوسط، (تضم: إيران، وتركيا، وإسرائيل، والعراق، ومصر، وسوريا، والأردن) يرى الأتراك ـــ في رحابها ــ أنه يمكن إيجاد تسوية دائمة للصراع العربي الإسرائيلي، ونزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وزيادة حجم التعاون الإقليمي بما يحقق رفاهية الجميع(8).
من أجل ذلك، يمكن القول إن مبادرة رابطة الجوار العربي اقترحت دعوة تركيا لتشكّل النواة الأولي لهذا التجمّع مع دول الجامعة العربية.
2ـ الجــوار الإيــــراني

تمثّل إيران ـــ مثلها في ذلك مثل تركيا ـــ واحدة من أهم دول الجوار الجغرافي للوطن العربي، فهي تتمتع بموقع حساس، حيث تتاخم شبه القارة الهندية، وعلى بوابات الخليج العربي، ولديها الكثير من الموارد الاقتصادية، وتقبع على احتياطيات بترولية ضخمة، وتتماس إيران مع الدول العربية براً عبر حدودها مع العراق، وبحراً عبر حدودها مع دول الخليج العربية.
أ. السياسة الخارجية الإيرانية من العزلة إلى الانفتاح

بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م، ونتيجة للتخطيط والتطورات في ذلك الوقت، لم تكن هناك إمكانية لطرح تعريف محدد للمصالح القومية الإيرانية، وبالرغم من أن الدولة تخلَّصت من حكم الشاه، إلاّ أنها مع بداية الثورة واجهت أزمات عديدة، مثل: نشوب الحرب العراقية ــ الإيرانية (1980 ـــ 1988م)، والعقوبات والضغوط الدولية التي فرضت عليها، مما جعل تعريف مفهوم المصالح القومية أكثر صعوبة، فتم طرح شعارات على صعيد السياسة الخارجية منها: (لا شرقية ولا غربية)، و (الاعتماد على مبادئ الأحكام الإسلامية)، و (إقرار علاقات سلمية مع الدول غير المتحاربة)، و (إعطاء أولوية للعلاقات مع العالم الثالث)، و (عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى)، و (دعم المستضعفين وحركات التحرر)، و (مناهضة العنصرية والسياسات الامبريالية).
وبعد الثورة انقسم الإيرانيون حول تحديد المصالح القومية إلى فريقين: الفريق الأول تبنّى مبدأ الحياد (لا شرقية ولا غربية)، وحرص على انتهاج سياسة خارجية تعاونية مع الدول الأخرى في إطار المحافظة على المصالح القومية واهتم بقضية التصدير المعنوي للثورة، وأبدى رغبة في التعاون مع الولايات المتحدة لتسوية أزمة احتجاز رهائن السفارة الأمريكية بطهران، أما الفريق الثاني فقد اعتبر أن سياسة (لا شرقية ولا غربية) تعني عزل إيران وعدم الاتصال مع العالم الخارجي، ومن ثم عمد هذا الفريق إلى انتهاج سياسة دعم حركات التحرر وتصدير الثورة إلى الخارج.
وقد طرأت على إيران تطورات عدّة كان لها تأثيرها على سياستها الخارجية، خصوصاً بعد نهاية الحرب مع العراق، ووفاة (الخميني) وتولي حكومة (هاشمي رافسنجاني)، أدت إلى إعادة صياغة المصالح القومية بشكل أكثر واقعية على مدى العقد الثاني من الثورة، ومن ثم انتهجت إيران سياسة انفتاحية على الصعيد الإقليمي، مما كان له الأثر في إنهاء العزلة الإقليمية والدولية التي فُرضت عليها في أعقاب انتصار الثورة عام 1979م(9).
وباتت الظروف الإقليمية والدولية مواتية لإيران لتنفيذ استراتيجيتها الإقليمية، فقد تورطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حربين بالمنطقة بتكلفة باهظة في الأرواح والأموال، كما أثارت ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية، وممارسات إسرائيل القمعية والتوسعية، غضب الشعوب العربية والإسلامية، يُضاف إلى ذلك انتشار جاليات شيعية في العالم العربي تتطلع إلى إيران وترتبط بها، وقدرة إيران على تحريك بعض عناصرها الكامنة لإحداث قلاقل تحرج الحكومات العربية، كما تلوّح إيران بسلاح النفط بشكل علني أحياناً، وفي هذا الإطار فإن النفط الإيراني ليس وحده المقصود في هذه التهديدات، وإنما إمكانية اللجوء إلى وقف إمدادات نفط الخليج عبر مضيق هرمز، فضلاً عن الإمساك بورقة استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة في حال اشتعال الموقف بمواجهة عسكرية، هذا بالإضافة إلى معاناة الوضع العربي من انقسامات حادة إزاء قضايا، من أبرزها: دور القوى الإقليمية في المنطقة، وقضايا السلام ... وغيرها(10).
ب. محاور التحرّك الإيراني في المنطقة

تُدرك إيران أن بلوغ حلمها الإقليمي لن يكون سهلاً في مواجهة مختلف القوى الدولية والإقليمية وإسرائيل، لذلك تتعمد اللجوء إلى العمل على عدة محاور:
الأول: الغوص في عدد من الملفات العربية، وتنمية العلاقات بها، بحيث يمكن تكرار النموذج اللبناني (نموذج حزب الله)، لأجل توظيفها للإيحاء بمدي امتداد طهران إقليمياً، والتفاوض على ذلك عندما يحين وقت التفاوض، واستخدام الأدوات الإيرانية في تلك الملفات، لكي تنفجر في أي وقت، بما يطيل الأمد الزمني المُتاح لطهران لإبعاد النظر عن ملفها النووي، وقد جاءت الحرب على غزة في أوائل العام الماضي في هذا السياق، وكذلك الضغط على الدول والسلطات المعنية بتلك الملفات لابتزازها ما لم توافق على الأجندة الإيرانية.
الثاني: توسيع مدى العلاقات الإفريقية لأجل الإيحاء بامتداد النفوذ الإيراني، بما يمكّن من الادعاء بوجود شبكة دولية معقدة لإيران، وفي هذا السياق لا يأتي دخول إيران إلى مناطق نفوذ مصرية تقليدية، فهناك معلومات عن استخدام إيران لأراضي سودانية في عمليات تهريب الأسلحة، وقد اعترف الجميع بقيام طائرات إسرائيلية بقصف هذه الإمدادات على أراضي السودان، والوصول إلى المناطق التي يتواجد فيها خام اليورانيوم للحصول عليه في توقيتات بعينها(11).
الثالث: اتباع عدة استراتيجيات خاصة بعلاقاتها مع الدول الكبرى، استطاعت من خلالها تحقيق نجاحات كبيرة في المستويين الإقليمي والدولي(12)، فقد استخدمت استراتيجية استثمار الأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة بعد آحداث الحادي عشر من سبتمبر، سواء من الحرب في أفغانستان أو في العراق، كما اتبعت استراتيجية التحالفات الاقتصادية، من خلال البحث عن حلفاء والارتباط معها باتفاقات اقتصادية، مثل النموذج الصيني التي تُعد ثاني أكبر مصدّر للنفط إليها.
جـــ . السلوك الإيراني في المنطقة

يتنوع سلوك إيران في إطار تحركها كي تصبح القوة الإقليمية العظمي، ويتجلى هذا السلوك في المظاهر التالية:
التدخُّل في الشأن العراقي: فبعد احتلال العراق برز طور جديد من أطوار الدور الإقليمي الإيراني، بعد أن أتاح لها الاحتلال تدمير القوة الإقليمية المؤثّرة (العراق) فرصاً شتّى كي تقوم بدورها في حماية مصالحها على النحو الذي تراه، معتمدة على استراتيجية توازن بين طموحاتها والوجود الأمريكي على حدودها(13)، وساعد إيران على لعب هذا الدور تنوّع أساليبها في العراق بين النشاط الاستخباراتي، وغرس الأعوان والعملاء في مراكز ومؤسسات الدولة العراقية(14). ومع صعود التيار الشيعي في العراق، تزايدت المطالب الشيعية في دول الخليج(15)، مما أعطى طهران فرصة أكبر لممارسة دورها في التدخل في نسيج دول المنطقة.
طرح صيغ أمنية تخدم مصالحها: ففي خطوة تحمل كثيراً من الدلالات والتساولات المهمة، دعا الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ــــ في مؤتمر صحفي عقده مع مستشار الأمن القومي العراقي في طهران في 20 يناير 2009م ــــ إلى تشكيل منظومة أمن إقليمية مشتركة، وهي الدعوة التي أيّدها الأخير، فإذا كُتب لهذه المنظومة أن ترى النور فلن تضم سوى تلك الدول والقوى التي تملك طهران نفوذاً فيها أو تأثيراً مباشراً عليها(16)، وهو ما يؤثر سلباً على مسيرة الأمن القومي العربي.
اتباع سياسة الترغيب والترهيب بشأن برنامجها النووي: ففي إطار سياسة الترغيب حرصت إيران على طمأنة الدول العربية الخليجية إلى برنامجها النووي وقدراتها العسكرية الجديدة، وأكّدت أن هذه الدول ليست مستهدفة من هذه القرارات، وقام بذلك مسؤولون إيرانيون كبار(17). وإلى جانب سياسة الطمأنة، اعتمدت إيران سياسة الترهيب وإظهار أعلى قدر من الحزم والقوة بأن أي هجوم تشنه الولايات المتحدة الأمريكية على إيران بسبب برنامجها النووي سيزعزع الاستقرار في المنطقة، نظراً لأن المنطقة سوف تعاني من تبعات أي ضربات عسكرية، وأن الضرر لن يمس إيران وحدها(18).
استغلال العامل النووي: فمن خلال الحملات الإعلامية المنظّمة، أصبح المفهوم السائد لدى قطاع كبير من الإيرانيين هو أن إيران صاحبة التاريخ العريق والحاضر الزاهر بالإمكانات الهائلة يتم تجاهلها من قِبل أعدائها وبخاصة الولايات المتحدة، وعليه فمن حقها أن تصبح دولة نووية قوية، اعتقاداً منهم بأن إيران عندئذٍ ستنال الاحترام الذي تستحقه من العالم، وإعلانها لاعبة أساسية كقوة إقليمية في المنطقة يحقق الاعتراف بها كجمهورية إسلامية قوية(19)، وهذا ما تسعى إيران لترسيمه لدى قطاع من الشعوب العربية.
استمرار احتلال الجزر الإماراتية: في أكتوبر 1994م، أكّد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى الإيراني ملكية إيران لجزر (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى)، وبشكل متوازٍ مع ذلك، تمت معارضة إحالة النزاع حول الجزر إلى محكمة الدول العدل الدولية(20).
الادعاءات المستمرة بتبعية دولة البحرين: حيث تم وصفها بأنها كانت في الأساس المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة، وأن إيران خسرتها في صفقة غير قانونية بين الشاه والحكومتين البريطانية والأمريكية، وأن المطلب الأساس للشعب الإيراني حالياً هو إعادة هذه المحافظة التي تم فصلها عن إيران إلى الوطن الأم والأصلي، أي إيران الإسلامية(21).
رفض عملية السلام في المنطقة: تعطي الاستراتيجية الإيرانية القضية الفلسطينية الأولوية في دعايتها السياسية، مادامت هذه القضية تثير الشعوب العربية وتؤلبها على حكّامها، تماماً كما حدث خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في أوائل عام 2009م، التي قامت باستغلالها لتمدد نفوذها الإقليمي من خلال علاقتها بسوريا، وحزب الله، وحركة حماس، في محاولة ترتيب أوراقها لمواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن برنامجها النووي، وعزل وتهميش الحكومات العربية المعتدلة التي تسعى لإيجاد الحلول السلمية للصراع الذي استنزف طاقات الشعوب العربية خلال ستة عقود.
د. القضايا الخلافية بين إيران والعرب

منذ نهاية عهد الشاه تم التركيز على التوجّه العقائدي الإيراني، وسياستها في المنطقة، وبرز بوضوح الدور الإيراني في إثارة العديد من الأزمات والصراعات في المنطقة، ومن ثم برزت قضايا أمنية خلافية بين إيران من جانب والأمن العربي من جانب آخر تتمثل فيما يلي(22):
ـــ أن إيران أعطت نفسها حق اليتو في أي ترتيبات أمنية في منطقة الخليج العربي بما يخدم مصالحها الأمنية.
ــــ اعتناق أيديولوجية تدعم من خلالها حركات ومنظمات تعمل خارج إطار الشرعية في دولها.
ــــ استمرار تنفيذ إجراءات ترمي إلى تكريس احتلالها لجزر الإمارات العربية المتحدة، إمعاناً في اتباع سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، مما يشكّل إصراراً على الاستمرارية في خطواتها الاستفزازية غير المبررة ويدعم عدم الاستقرار في المنطقة.
ــــ استغلال الشيعة المنتشرين في بعض الدول العربية، بما يهدد الاستقلال والأمن في هذه الدول.
ــــ التهديد المستمر بإغلاق مضيق هرمز، والحرص على إجراء المناورات والتدريبات العسكرية على أسلوب الغلق والسيطرة على الملاحة في الخليج العربي.
ــــ زيادة حدّة التوتّر في المنطقة من خلال تكثيف التسلح وإجراء المناورات العسكرية في الخليج.
ــــ اتخاذ سياسات مضادة للسياسة العربية في توجهها نحو حل الصراع العربي ــ الإسرائيلي بالطرق السلمية.
وهكذا، يزخر ملف العلاقات الإيرانية ــ العربية بتدخّل إيران في الشؤون العربية بما يلحق الضرر بالقضايا والمصالح والحقوق العربية؛ فإيران ليست فقط تحتل أرضاً عربية منذ عدة عقود، بل هي أيضاً شنّت حرباً على دولة عربية لمدة ثمان سنوات، وهي اليوم ذات امتدادات جيوسياسية في داخل العراق، وفلسطين، ولبنان، واليمن، وفي مناطق أخري من المنطقة العربية، لذلك، رأت مبادرة (رابطة الجوار العربي) أن يتم معها حوار على أمل أن تعدل عن هذه السياسات، ومن ثم يمدّ لها العرب أيديهم كدولة شقيقة يربطهم بها تاريخ ومصالح مشتركة.
ثالثاً: مقترح رابطة الجوار العربي

بناءً على دخول تركيا على خريطة السياسة في الشرق الأوسط، باعتبارها جاراً وشقيقاً للعالم العربي يستند في حركته إلى عوامل التاريخ والجغرافيا، كما يستند إلى دبلوماسية حديثة عالية الكفاءة تتميز بالدقة في قراءة الأحداث والفعالية في التأثير في مجرياتها، وبناءً على دخول إيران تكتيكياً واستراتيجياً في الخريطة نفسها، ومن منطلقات تاريخية وجغرافية أيضاً، وبسياسة جريئة ودبلوماسية عاصفة ذات تأثير لا يخفى على مجمل الوضع الأمني في المنطقة، اقترح أمين عام جامعة الدول العربية إطلاق إقامة منطقة جدار عربي تضم هذه الدول إلى رابطة إقليمية مع جامعة الدول العربية(23).
1 ــ المفهوم القانوني للرابطة الإقليمية

يتمحور هذا المفهوم حول عدد من العوامل تتمثل في: الجغرافيا، والثقافة، والسياسة، حيث يمثّل العامل الجغرافي القاسم المشترك في مختلف التعريفات التي خلص إليها الفقه الدولي فيما يتعلق بالإقليمية، باعتبار أن الإقليمية في حدِّ ذاتها هي أصلاً فكرة جغرافية، وتتمثل الروابط الجغرافية المقصودة في علاقات التجاور الجغرافي أو المكاني، وهذا يعني أن التنظيم الإقليمي (الرابطة) يجب ألاّ يضم بين أعضائه دولاً من خارج المنطقة التي يشملها الاختصاص المكاني، وإن اعتبر البعض أن دخول دولة من خارج جغرافية الإقليم لا يصطدم بالضرورة بمفهوم الإقليمية جغرافياً، كما أنه لابد للعامل الجغرافي من عناصر أخري تعززه، وتتمثل في الروابط الثقافية والتاريخية المشتركة التي تربط عدداً من الدول التي تتجاور أقاليمها جغرافياً، وعليه فإن التنظيم الإقليمي (الرابطة) هي تلك التي تضم في عضويتها مجموعة من الدول التي تتميز فيما بينها، ليس فقط بالجوار الجغرافي، وإنما أيضاً بالترابط الحضاري، والتشابه بين الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أما العامل السياسي فهو يعني التقاء المصالح السياسية والاقتصادية لمجموعة من الدول، بصرف النظر عن مواقعها الجغرافية أو انتماءاتها الحضارية(24).
وعلى ذلك، تعمد الدول إلى إنشاء التكتلات الإقليمية التي تضم عدداً محدوداً منها، تجمع بينها روابط مشتركة أبرزها ــ كما تقدم ــ الجغرافية والاقتصادية والثقافية والتاريخية، وقد تجمعها الرؤى السياسية المشتركة، ومن جهة أخرى تنشد تحقيق المصالح المشتركة في المجالات المختلفة، وتلك هي النظرة الأولى لمقترح الأمين العام.
2 ــ تفكيك المبادرة

حظي اقتراح الأمين العام لجامعة الدول العربية بشأن إنشاء رابطة الجوار العربي بنصيب وافر من النقد وقدر من التأييد، وفي هذا الإطار يمكن طرح الملاحظات التالية:
1. إن اللجوء إلى دور الجوار في هذه المرحلة التي يواجه فيها العرب مشروعاً للتقسيم هو إضعاف للدور العربي، وفتح الباب للآخرين للتدخل في شؤونه، فضلاً عن أن هذه الرابطة ــ والتي استبعد منها الأمين العام ــ إسرائيل (مؤقتاً) بسبب موقفها من السلام مع العرب، هي رابطة لتجديد دور مثلث القوميات التي يحيط بالعالم العربي، والمتمثل بإسرائيل وتركيا وإيران، استناداً إلى أن العلاقة بين أعضاء هذا المثلث كانت تقوم على الدوام على حساب العرب، ولها جوانب عسكرية وأمنية واقتصادية لا تصبّ في مصلحتهم، ورغم أن علاقات مثلث تركيا ــ إيران ــ إسرائيل شهدت توترات، وهي اليوم في حال من عدم الانسجام، خصوصاً بين إسرائيل وتركيا، ونأخذ صورة العداء بين إيران وإسرائيل، إلاّ أن حجم التعاون على المستوى الاستراتيجي لم يغيّر الإطار السياسي الجغرافي لهذه العلاقة، فهذه الدول تعيش حالة افتراق وعزلة عن محيطها العربي، فتركيا وإيران تدركان أن الانضواء تحت الأخوة العربية الإسلامية سيكون على حساب نزعتها القومية، وإسرائيل تستند إلى الدين في قوميتها، فضلاً عن أن لكل منها تاريخاً غير محمود مع العرب(25).
2. وهناك من اعتبر الرابطة ترحيل المشاكل من قِبل الجامعة إلى مستقبل لن يعالجها، ومعتبراً أن إنشائها سوف يجعل العرب: أقرب إلى مدى حيوي للدولتين الجارتين (تركيا وإيران) اللتين تخاطبان بأرخص الأثمان عواطف لم نعد نملك سواها: تركيا تفعل ذلك بكلمات حماسية يتفوه بها (رجب طيب أردوغان) بين وقت وآخر، وإيران بوعود خلاصية يطلقها (محمود أحمدي نجاد) متعهداً إزالة دولة إسرائيل، ومن يدري فقد يأتي الغد بمنافسة على العرب تزداد حدتها بين الجارتين، كل منهما يريد أن يقضم منا أكثر مما يستطيع الآخر قضمه، ومن يدري أيضاً فقد يتحول التنافس نزاعاً ضارياً يشهد على مثله تاريخ العراق(26).
3. كما أن اقتراح الرابطة، رغم ما يتردد بأن القصد به إدماج النظام الإقليمي العربي ضمن منظومة أكبر لتعظيم قدرات هذا النظام العربي في مواجهة إسرائيل من جهة، و ضد محاولات أوروبية وأمريكية لخلق ترتيبات أمنية جديدة كالشرق الأوسط الكبير، والمتوسطية التي تدمج إسرائيل نفسها فيها وتقلّص من مكانة ودور النظام العربي، ومن ثم اعتُبر تبنّي إعلان (سرت) للمبايعة أحد إيجابيات القمة، فيما اعتبره البعض الآخر خطوة غير مدروسة وستزيد الخلافات العربية حول من سينضم إلى منطقة الجوار، وكيف ستعمل، ومن الأطراف أو الطرق الأكثر استفادة (27).
4. إن فكرة إنشاء رابطة للجوار الإقليمي، وإن كانت تمثل عملاً مهماً يتمثل في إقامة علاقات طيبة مع الدول الأخرى، إلاّ أن الأهم هو إعطاء الأولوية للعلاقات بين الدول الأعضاء، بحيث يظل هو الهدف المحوري الذي لا يتقدم عليه أي هدف آخر، كما أن مقترح رابطة الجوار، وإن كان لا يتعارض من حيث المبدأ مع العمل علي النهوض بالعلاقات العربية ــ العربية، إلاّ أنه من حيث الواقع، فإن الجواب يتحدد في ضوء عدد من المعطيات والملاحظات من أبرزها: أن أنشطة الجامعة تفتقر إلى التحديد الدقيق للأولويات، وأن الأحداث وردود الفعل تحكم هذه النشاطات من دون أن تندرج في مسعى دؤوب لتطوير العلاقات العربية الجماعية، وتعميق مؤسسات العمل العربي المشترك، وأن الجامعة يتعين عليها أن تعمّق وتفعّل وتعمل على نجاح الهيئات والمؤسسات الموجودة فعلاً قبل أن تنتقل إلى اقتراح جديد، كما وأن واقع الجامعة يفرض عليها تحديد أولوياتها بكل دقة، وأن تستثمر طاقاتها القليلة في خدمة هدفها المركزي، وألاّ تتشتت، وأخيراً فإن تطوير العلاقات مع دول الجوار أمر قابل للتحقيق من خلال إطارات دولية وإقليمية تضم العرب والأتراك والإيرانيين، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، وكتلة عدم الانحياز، وكذلك عن طريق تعاون الجامعة مع منظمة التعاون الاقتصادي التي تضم تركيا وإيران وأفغانستان ودول اسيا الوسطى(28).
5. ورغم نبل مقصد أمين عام الجامعة في محاولة تغيير طبيعة الحركة الإقليمية وتحويلها إلى مسار يصب في المصالح العربية، إلاّ أن اقتراحه ـــ طبقاً لما يراه البعض ــ يظل بحاجة إلى منطلقات مختلفة، وخطوات علي الأرض من بعض دول الجوار، قبل المضي في تنفيذه، خصوصاً من إيران. ومثلما اعتبر الأمين العام أن لا مكان لإسرائيل في الرابطة الإقليمية المقترحة، طالما بقيت تتصرف على أنها دولة فوق القانون الدولي، فإن الأمر ذاته ينطبق على إيران التي تحتل أرضاً عربية وتطالب بأخري، وتحتال على القانون الدولي، وتهدد أمن المنطقة بطموحاتها النووية(29).
ومع تقدير المخاوف ومشروعيتها إزاء هذه المبادرة، ينبغي القول إن هذه المبادرة اجتهاد لا ينقصه حسن النية ولا تدفعها مشاريع أجنبية أو أجندات خارجية، بل على العكس من ذلك تنطوي على رفض واضح وصريح لاستراتيجية أمريكية ــ إسرائيلية تستهدف جر الدول العربية إلى مواجهة مع إيران، وبالتالي فإن إدخال قوتين إسلاميتين في دائرة المنظومة العربية قد يكون إضافة إيجابية وليس بالضرورة خصماً من رصيد العروبة، وإن هذه المبادرة قد جاءت بنظرة غير تقليدية قد تخرج المنطقة من عنق الزجاجة وتعفيها من الحروب الكلامية والملاسنات الإعلامية طالما جرى الاتفاق على رعاية المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية والمحافظة على شخصية الإقليم وهوية أطرافه، ولعل دخول قوى غير عربية في هيكل النظام الإقليمي يؤدي إلى تحجيم الدور الإسرائيلي، ووضع حدود أمام حركته المطلقة، ويفتح عصراً جديداً يتحول فيه الشرق الأوسط من عبء على المجتمع الدولي إلى فاعل يأخذ بقدر ما يعطي، وتكون قدرته علي الشراكة في القرار الدولي أمر يختلف عن الوضع السلبي الراهن، كما أن التشدد الإيراني والاعتدال التركي يمكن لهما أن يسهما في دعم القضايا العربية أمام أطراف أخرى، شريطة ألاّ تتحول المنطقة إلى تكتل إسلامي يقلق الآخر ويخيف الغير
الهوامش

1. مجلة الخليج، 29/3/2010م ، www.alkhaleeg.ae/ portal
2. بكر مصباح تنيره، تطور الصراع الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، وأثره على مستقبل الوطن العربي، مجلة شؤون عربية، العدد (100)، 1999م، ص 15.
3. خليل العناني، القوى الإقليمية والشرق الأوسط القديم، جريدة الحياة، 11/2/2009م.
4. سعيد رفعت، هل سقطت الأدوار الإقليمية من حساب السياسات العربية؟ مجلة شؤون عربية، العدد (135)، خريف 2008م، ص 6.
5. عبدالقــادر محمد، نحو فهم للدور التركي الجديد في المنطقة،
www.ametallahm.maktooblog
6. مصطفى اللباد، الدور الإقليمي التركي، الملامح والأسباب، مركز الشرق
العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية.
7. علي حسن باكير، آليات التحرك الإيراني التركي في المنطقة. www.alibakeer.maktoobblog
8. مكرم محمد أحمد، تركيا أكثر اللاعبين نشاطاً على ساحة الشرق الأوسط، صحيفة الأهرام، 6/3/2010م.
9. أحمد معنوي، المصالح القومية والسياسات الخارجية الإيرانية، مجلة مختارات إيرانية، العدد (62)، سبتمبر 2005م، ص 73، عن صحيفة همبستي (التضامن) الإيرانية.
10. أحمد مختار الجمال، استراتيجية إيران الإقليمية: الإشكالية والصفقة، مجلة شؤون عربية، العدد (126)، صيف 2006م، ص 42.
11. عبدالله كمال، استراتيجية التحرك الإيراني، صحيفة روز اليوسف، 6/4/2009م.
12. سميرزكي بسيوني، كيف تدير إيران علاقاتها مع القوى الخارجية، مجلة السياسة الدولية، العدد (165)، يوليو 2006م، ص 112.
13. خليل العناني، الدور الإيراني في الطريق، تحركات غامضة في بيئة مضطربة، كراسات استراتيجية، السنة (15)، العدد (158)، 2005م، ص 20.
14. لمزيد من التفاصيل، راجع المرجع السابق.
15. الشيعة في السعودية من التهميش إلى الاحتواء. www.can.atabic.
com
16. فتوح هيكل، العراق وإيران والأمن الإقليمي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
17. محمد السعيد إدريس، الخليج والأزمنة النووية الإيرانية، مجلة السياسة الدولية، العدد (165)، يوليو 2006م، ص 104.
18. المرجع السابق، ص 105.
19. هل سيمتلك الرجل القنبلة، مجلة السياسي الدولي، العدد (23)، أبريل 2006م
20. وليد عبدالناصر، ثلاثة دوائر للسياسة الخارجية الإيرانية، كراسات استراتيجية، العدد (38)، السنة (6)، 1996م، ص 10.
21. سعيد عبدالقادر القويعي، إيران: استعراض القوة وتصدير الأزمات، صحيفة الجزيرة، العدد (13291)، 71/2/2009م.
22. ممدوح أنيس فتحي، إيران قوة مضافة أم مصدر تهديد للأمن القومي؟ مجلة السياسة الدولية، العدد (130)، أكتوبر 1997م، ص 97.
23. نص كلمة الأمين العام في القمة. www.rdp.org.eg
24. انظر: في تفعيل مفهوم الرابطة الإقليمية: خليل حسين، نظام الأمن الإقليمي في القانو الدولي العام. attp: //drhalilheessein.blogspoticoin
25. مثلث عمرو موسى، داود الشريان، صحيفة الحياة، 30/3/2010م.
26. حازم صاغية، الرابطة الجوارية، صحيفة الحياة، 30/3/2010م.
27. محمد شومان، حين يظل العرب في انتظار قمة استثنائية، صحيفة الحياة، 31/3/2010م.
28. رغيد الصلح، هروب الجامعة العربية إلى الجوار الإقليمي، صحيفة الحياة، 1/4/2010م.
29. داود الشريان، اقتراح عمرو موسى، صحيفة الحياة،1/4/2010م.

لطباعة المقال لإرسال المقال لصديق